قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٩ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
و قال سهل بن عبد الله: التائب لا يقله شيء يكون قلبه متعلقا بالعرش حتى يفارق النفس و لا عيش له إلا الضرورة للقوام و يغتمّ على ما مضى و الجدّ في الأمر و مباينة النهي فيما بقي و لا يتم له ذلك إلا باستعمال علم اليقين في كل شيء ثم المتابعة بأعمال الصالحات ليكون ممن قال الله تعالى: وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] الآية أي يدفعون ما سلف من السيئات بما يعملون من الحسنات. و كذلك قال النبي صلّى الله عليه و سلم في حديث أبي ذر فإذا عملت سيئة فاعمل بعدها حسنة السرّ بالسرّ و العلانية بالعلانية و في وصية معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها و ليدخل في الصالحين كما قال الله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ في الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٩]. ثم المسارعة إلى الخيرات إذا قدر عليها ليدرك بها ما ضيع و فات ليكون من الصالحين و في هذا المقام يصلح لمولاه فيحفظه و يتولاه كما قال الله: وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: ١٩٦]. و جمل ما على العبد في التوبة و ما تعلق بها عشر خصال، أولها فرض عليه أن لا يعصي الله تعالى، و الثانية إن ابتلى بمعصية لا يصرّ عليها، و الخصلة الثالثة التوبة إلى الله تعالى منها، و الرابعة الندم على ما فرط منه، و الخامسة عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت، و السادسة خوف العقوبة، و السابعة رجاء المغفرة، و الثامنة الاعتراف بالذنب، و التاسعة اعتقاد أن الله تعالى قدر ذلك عليه و أنه عدل منه، و العاشرة المتابعة بالعمل الصالح ليعمل في الكفارات لقوله صلّى الله عليه و سلم: و أتبع السيئة الحسنة تمحها. و في جميع هذه الخصال جمل آثار رويناها عن الصحابة و التابعين يكثر ذكرها. و يقال: إن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة و أنك لا تستأخر عنها طرفة عين قال: فيبدو للعبد من الأسف و الحسرة ما لو كانت له الدنيا من أوّلها إلى آخرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها أو يستبدل بها فلا يجد إلى ذلك سبيلا، و هذا تأويل قوله عزّ و جلّ: وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤] قيل: التوبة و قيل: الزيادة في العمر و قيل: حسن الخاتمة حيل بينهم و بين ذلك كما فعل بأشياعهم من قبل أي بنظرائهم و أهل فرقتهم قال: فإذا كل ساعة تمضي على العبد فهي بمنزلة هذه الساعة قيمتها الدنيا كلها إذا عرف قيمة ذلك فلذلك قيل ليس لما بقي من عمر العبد قيمة إذا عرف وجه التقدير من الله تعالى بالتصريف و الحكمة و قيل في معنى قوله تعالى: من قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ [المنافقون: ١٠] قال: الوقت القريب أن يقول العبد عند كشف الغطاء: يا ملك الموت أخرني يوما أعبد فيه ربي و أعتب فيه ذنبي و أتزوّد صالحا لنفسي