قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٧٢ - فصل آخر
و قال بعض العارفين: الزهد إنما هو ترك التدبير و الاختيار و الرضا و التسليم لاختياره شدة كان أو رخاء، و هذا طريق الخواص و الثوري و ذي النون رحمهم الله تعالى. و قال أبو يزيد رحمه الله مرة: إنما الزاهد من لا يملك شيئا و لا يملكه شيء. و قال: حقيقة الزهد لا يكون إلا عند ظهور القدرة و العاجز لا يصحّ زهده هو أن يعطيه كن و يطلبه على الاسم و يقدره على الأشياء بإظهار الكون فيزهد في ذلك حياء من الله تعالى و يتركه حبّا له. و كان يستعيذ باللّه من أربعة و عشرين مقاما من إظهار القدرة و قال لأبي موسى عبد الرحيم في أي شيء تتكلم؟ قلت: في الزهد قال: في أيّ شيء قلت: في الدنيا قال: فنفض يده و قال: ظننت أنه يتكلم في الزهد في شيء الدنيا لا شيء أيش تزهد فيه. و ذهب إلى هذا المعنى سهل و غيره. و قال سبعة عشر مقاما في المعرفة أدناها المشي على الماء و في الهواء و ظهور كنوز الأرض و هذا كله من زخرف الدنيا. و قد حكي لنا معنى هذا عن الجنيد قال: اجتمع أربعة من الأبدال في جامع المنصور ليلة العيد فلما أسحروا قال أحدهم: أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد في بيت المقدس. و قال الآخر: أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بطرسوس. و قال الثالث: أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بمكة. و سكت الرابع و كان أعرفهم فقيل له: أنت أيّ شيء نويت فقال: أما أنا فقد نويت اليوم ترك الشهوات لا أصلي إلا في هذا المسجد الذي بتّ فيه فقالوا: أنت أعلمنا فقعدوا عنده فصار عند هؤلاء كما ذكرناه آنفا أن هذه الآيات هي من الشهوات إذ ليست حاجات مقامات و الشهوة من الدنيا لأنها من الهوى و أيضا ففيها تدبير و اختيار. و عند الزهاد العارفين و المحبين أن هذا مكر و خداع يبتلون به و يقتطعون لينظر كيف يعملون إذا ابتلاء كل عبد على قدر مرتبته و حاله فيلزمه الزهد فيه و يقال: هي في المقام السابع عشر من المعرفة فمن سلك به الطريق رآها فيه و فوقها نيف و سبعون مقاما أفضل من ذلك. و قد سئل الجنيد عن الزهد فقال معنيان: ظاهر و باطن. فالظاهر بغض ما في الأيدي من الأملاك و ترك طلب المفقود، و الباطن زوال الرغبة عن القلب و وجود العزوف و الانصراف عن ذكر ذلك. فإذا تحقق بذلك رزقه الله تعالى الإشراف على الآخرة و النظر إليها بقلبه. فحينئذ يحد في العلم بتقصير الأمل و تقريب الأجل لأن الأسباب عن قلبه منقطعة و القلب منفرد الآخرة. و حقيقة الزهد قد خلصت إلى قلبه فامتلأ من الذكر الخالص لربّه سبحانه و تعالى. فالزهد عن حقيقة الإيمان و المشاهدة للآخرة تكون بعد الزهد و استواء الأشياء، فيكون عدمها كوجودها بعد المشاهدة لاستواء القلب و معه يستوي