قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩٦ - ذكر ما أحدث الناس من القول و الفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف
و العربية. كما قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: أعربنا في الكلام فلم نلحن و لحنّا في الأعمال فيا ليتنا لحنّا في الكلام و أعربنا في الأعمال. و ذكرت العربية عند القاسم بن المخيمرة فقال: أوّلها كبر و آخرها بغي. و قد قال بعض السلف: النحو يذهب الخشوع من القلب. و قال آخر: من أحب أن يزدري الناس كلهم فليتعلّم العربية و شدّدوا في الطهارة بالماء و تنظيف الثياب و كثرة غسلها من عرق الجنب و لبس الحائض و من أرواث ما يؤكل لحمه و أبواله و غسل اليسير من الدم و نحو ذلك و كان السلف يرخصون في هذا كله و مما سهّلوه مما كان السلف يشددون فيه أمر المكاسب و ترك التحرّي فيها و الكلام فيما لا يعني و الخوض في الباطل و الغيبة و النميمة و الاستماع إليهما و العقد على البلاغات و سوء الظن لأجلها، و هو اشتراك في الغيبة و النميمة. و كل بلاغة تزيد و تنقص إن كان شرا ازددت فيه و إن كان خيرا نقصت منه و سهلوا في النظر إلى الزور و اللهو و مجالسة البطالين و المشي في أسباب الهوى و التعصب و شدة الحرص في الدنيا، و هذا كله كان السلف يشدّدون فيه و مما أحدثوا دخول النساء الحمام من غير ضرورة و دخول الرجل بغير مئزر و هو فسق. و سئل إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى عمن يشرب النبيذ و لا يسكر أ يصلّى خلفه؟ قال: نعم. قيل: فمن دخل الحمام بغير مئزر فقال لا يصلي خلفه. هذا لأن شرب النبيذ يختلف فيه إذا لم يسكر و دخول الحمام بغير مئزر محرم بإجماع. و كان بعض العلماء يقول: يحتاج داخل الحمام إلى مئزرين مئزر لوجهه و مئزر لعورته و إلا لم يسلم في دخوله. و كان ابن عمر يقول: الحمام من النعيم الذي أحدثوه، و من المنكر في الحمام تولي القيم لعورة الرجل المسلم في الاطلاء بالنورة. و قد كان من هدي العلماء في قعودهم أن يجتمع أحدهم في جلسته فينصب ركبتيه و منهم من يقعد على قدميه و يضع مرفقيه على ركبتيه كذلك كان شمائل كل من تكلم في هذا العلم خاصة من عهد أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و من زمن الحسن البصري و هو أوّل من أظهر هذا العلم و فتق الألسن به إلى وقت أبي القاسم الجنيد قبل أن تظهر الكراسي. و كذلك روي عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم أنه كان يقعد القرفصاء و يحتبي بيديه. و في رواية أخرى: أنه كان يقعد على قدميه و يجعل مرفقيه على ركبتيه و أوّل من قعد على كرسي من أهل هذا العلم: يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى بمصر، و تبعه أبو حمزة ببغداد. فعاب الأشياخ عليهما ذلك. و لم يكن ذلك من سيرة العارفين الذين يتكلمون في علم المعرفة و اليقين إنما كان يجلس متربعا، النحويون و اللغويون و أبناء الدنيا من العلماء المفتين و هي جلسة المتكبرين. و من التواضع الاجتماع في الجلسة.