قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٠ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
و هكذا جاء في التفسير: و لا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة قال: هو العبد يذنب الكبائر و يلقى بيده و لا يتوب و يقول: قد هلكت لا ينفعني عمل فنهوا عن ذلك إلا أن الرجاء مقام جليل و حال شريف نبيل لا يصلح إلا للكرماء من أهل العلم. و الحياء و هو حال يحول عليهم بعد مقام الخوف، يروحون به من الكرب و يستريحون إليه من مقارفة الذنب، و من لم يعرف الخوف لم يعرف الرجاء، و من لم يقم في مقام الخوف لم يرفع إلى مقامات أهل الرجاء على صحة و صفاء و رجاء. كل عبد من حيث خوفه و مكاشفته عن أخلاق مرجوة من معنى ما كان كوشف به من صفات مخوفة، فإن كان أقيم مقام المخوفات من المخلوقات مثل الذنوب و العيوب و الأسباب، رفع من حيث تلك المقامات إلى مقامات الرجاء، بتحقيق الوعد و غفران الذنب و تشويق الجنان و ما فيها من الأوصاف الحسان، و هذه مواجهات أصحاب اليمين و إن كان أقيم مقام مخاوف الصفات عن مشاهدة معاني الذات مثل سابق العلم و سوء الخاتمة و خفي المكر و باطن الاستدراج و بطش القدرة و حكم الكبر و الجبروت، رفع من هذه المقامات إلى مقام المحبة و الرضا، فرجا من معاني الأخلاق و أسماء الكرم و الإحسان و الفضل و العطف و اللطف و الامتنان، و ليس يصحّ أن نخبر بكل ما نعلم من شهادة أهل الرجاء في مقامات الرجاء من قبل أنه لا يصلح لعموم المؤمنين، و هو يفسد من لم يرزقه أشد الفساد فليس يصلح إلا بخصوصه و لا يجديه و لا يستجيب له و لا يستخرج إلا من المحبة و لا محبة إلا بعد نصح القلب من الخوف. و أكثر النفوس لا يصلح إلا على الخوف، كعبيد السوء لا يستقيمون إلا بالسوط و العصا ثم يواجهون بالسيوف صلتا. و من علامة صحة الرجاء في العبد كون الخوف باطنا في رجائه لأنه لما تحقق برجاء شيء خاف فوته لعظم المرجوّ في قلبه و شدة اغتباطه به، فهو لا ينفك في حال رجائه من خوف فوت الرجاء، و الرجاء هو ترويحات الخائفين، و لذلك سمّت العرب الرجاء خوفا لأنهما وصفان لا ينفك أحدهما عن الآخر. و من مذهبهم أن الشيء إذا كان لازما لشيء أو وصفا له أو سببا منه، أن يعبّروا عنه به فقالوا: ما لك لا ترجو كذا و هم يريدون ما لك لا تخاف؟ و على هذه اللغة جاء قول الله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [نوح: ١٣] أجمعوا على تفسيره: ما لكم لا تخافون للَّه عظمة، و هو أيضا أحد وجهي تفسير قوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ [الكهف: ١١٠] أي يخاف من لقائه و مثل الخوف من الرجاء، مثل اليوم من الليلة لما لم ينفك أحدهما عن الآخر جاز أن يعبر عن المدة بأحدهما فيقال: ثلاثة أيام و ثلاث ليال. و منه قول الله تعالى مخبرا عن قصة واحدة فقال عزّ و جلّ: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠].