قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٧ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
و كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون. و قال الأعمش: من الكلام كلام جوابه السكوت. و قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: حسن سؤال الصادقين مفتاح قلوب العارفين. فأما القاص فهو الذي يبتدئ فيقصّ الأخبار و يذكر القصص و الآثار و لذلك سمي قاصا أي يتبع قصة من سلف. و منه قوله تعالى: وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القص ١١]. أي تتبعي أثر موسى تعرفي قصته و أخبريني خبره. و قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى:من إذالة العلم أن ينطق به قبل أن يسأل عنه. و قال مرة من إذالة العلم أن يجيب عن كل ما يسأل عنه أي من إهانته و وضعه. يقال أشل هذا و أذل هذا أي ارفع وضع. يقال: إذا تكلم بالعلم قبل أن يسأل عنه ذهب ثلثا نوره. و قد قال إبراهيم بن أدهم و غيره: سكوت العالم أشد على الشيطان من كلامه لأنه يسكت بحلم و ينطق بعلم فيقول الشيطان: انظروا إلى هذا سكوته أشد عليّ من كلامه. و لذلك يقال: الصمت زين العالم و ستر الجاهل و عن القاسم بن محمد أنه قال: من أكرم المرء نفسه أن يسكت على ما عنده حتى يسأل عنه. و كذلك هو لعمري لأنه إذا تكلم بعد السؤال فهو صاحبها و ربما كان فرضا و ليس الحاجة إلا القيام بالفرض من الشهوات. و لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل: ٤٣]، فأوجب أن يجيبوا من حيث أمر أن يسألوا و قال صلّى الله عليه و سلم: من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار فتوعد عليه بالعقاب. و قد يكون الابتداء بالشيء من خفايا الشهوات و الشهوات من الدنيا و وصف رجل لمالك بن أنس فقال: لا بأس به لو لا أنه يتكلم بالشيء قبل أن يسأل عنه. و قال مرة: لا بأس به إلا أنه يتكلم بكلام شهر في يوم. و قد قيل في معنى ما ذكر: إن الكلام من الشهوات. قال: هو الذي يبتدئ به قبل أن يسأل عنه و وصف بعضهم الأبدال فقال في وصفهم: أكلهم فاقة و كلامهم ضرورة و كانوا لا يتكلمون حتى يسألوا عن شيء فيجيبوا. و من لم يتكلم حتى يسأل فليس يعد لاغيا و لا متكلما فيما لا يعنيه لأن الجواب بعد السؤال كالفرض بمنزلة رد السلام و كما قال ابن عباس رضي الله عنهما إني لأرى رد الجواب واجبا كرد السلام. و قد قال أبو موسى و ابن مسعود رضي الله عنهما: من سئل عن علم فليقل به و من لا فليسكت و إلا كتب من المتكلفين و مرق من الدين. و رويناه عن ابن عباس أيضا و قد كانوا يخافون من دخول التكلف عليهم في كل شيء و يعد بعضهم بالابتداء بالكلام من غير حاجة تدعو إليه أو قبل سؤال عنه من غير أن يرى له موضعا أو يجد له أهلا يعدونه من التكلف. و في وصية ابن عباس لمجاهد: لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه أفضل و لا آمن عليك الخطأ و لا تكلم فيما يعنيك حتى ترى له موضعا فرب متكلّم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت.