قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٦ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
قال: الزهد. قيل: و ما الزهد؟ فأطرق ثم قال: سلوا الزهاد سلوا بشر بن الحرث و قد حدثت عن بشر في منصور بن عمار رحمهما الله حكايات ظريفة كان منصور بن عمار من الواعظين المذكرين و لم يكن العلماء في وقته مثل بشر و أحمد و أبي ثور يعدونه عالما كان عندهم من القصاص و كانت العامة تسمية عالما فحدثت عن نصر بن علي الجهضمي أنه مزح ذات يوم مزاحا أفرط فيه فقيل له: تقول هذا و أنت من العلماء؟ فقال: ما رأيت أحدا من العلماء إلا و هو يمزح فقيل له: قد رأيت بشر بن الحرث فهل سمعته يمزح قال: نعم كنت جالسا معه ذات يوم في بعض الدروب فجاء منصور بن عمار يعدو. فقال: يا أبا نصر الأمير قد أمر بجمع العلماء و الصالحين فترى لي أن اختفي؟ فدفعه بشر و قال: تنح عنا لا يمر حمل شوك فيلقيك علينا فنحترق فهذا كان محل القصاص عند العلماء فيما سلف حتى ذهب أهل هذا العلم و جهلت مجالس الذكر و علوم اليقين و المعاملات إلا من عرف سيرة المتقدمين و طريقة السالفين الذين كانوا يفرقون بين مجالس الذكر و بين القصاص و يميزون بين العلماء و بين المتكلمين و بين علم اللسان و فقه القلب و بين علم اليقين و علم العقل لأن الفرق بين العالم و القاص أن العالم يسكت حتى يسأل فإذا سئل أجاب فيما يعلم بما هيأ الله تعالى له و كشف و ينطق فيما أجراه الله عزّ و جلّ عليه و عرف فإن كان الصمت أفضل آثر السكوت لعلمه بالأفضل فإن لم ير أهله تربص حتى يضعه في أهله و أهله من عرفه و كان له نصيب من مشاهدته و وجده. و قال الله سبحانه و تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]. ففي ذلك معنيان، أحدهما أن أهل الذكر هم العلماء باللّه تعالى لقوله: إن كنتم لا تعلمون فلا يجوز أن يقول سلوا من لا يعلم و هم جاهلون فيزدادوا جهلا، و المعنى الثاني يدل على أن العلماء سكوت حتى يسألوا فإذا سئلوا وجب عليه أن يجيبوا لقوله تعالى لمن لا يعلم فاسألوا فدل أن مجالس الذكر هي مجالس العلماء التي وردت الأخبار بفضائلها و في تدبره أن أهل الذكر هؤلاء المسئولون هم الذين وصل لهم القول لعلهم يتذكرون فلما وصل لهم المفصل تذكروا عما وعد تعالى فلما تذكروا علموا فعندها أمر أن يسألوا. و لذلك روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: لا ينبغي للجاهل أن يستقر على جهله و لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه. و قد قال الله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]. و هكذا قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم في الخبر الذي رويناه من طريق أهل البيت: العلم خزائن مفتاحها السؤال فاسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، و العالم، و المستمع، و المحب لهم.