قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٥٢ - شرح مقام الصبر و وصف الصابرين و هو الثاني من مقامات اليقين
و صبر على الطاعة، و صبر في المصائب. و هذا داخل في جمل ما فرقناه من معاني الصبر. و مجمل ذلك أن الصبر فرض و فضل يعرف ذلك بمعرفة الأحكام. فما كان أمرا أو إيجابا فالصبر عليه أو عنه فرض، و ما كان حثا و ندبا فالصبر عليه أو عنه فضل و التصبر غير الصبر و هو مجاهدة النفس و حملها على الصبر و ترغيبها فيه و هو التعمّل للصبر و التصنّع للصبور بمنزلة التزهد، و هو أن يعمل في أسباب الزهد ليحصل الزهد و الصبر، هو التحقق بالوصف و ذلك هو المقام. و لا يخرج العبد من الصبر كراهة النفس و لا وجدان المرارة و الألم بل يكون مع ذلك صابرا لأن هذا وصف البشرية لما ينافي طبعها، و لكن يكون حاله الكظم عن الشكوى و نفي السخط لحكم المولى لأن عدم ذلك و فقده هو الرضا و حقيقة التوكل، و هذان من أعلى مقامات اليقين. و فقد مراتب اليقين لا يخرج عن حدّ الصبر و الذي يخرج عن حد الصبر ضده و هو الجزع و مجاوزة الحدّ من السلم و إظهار السخط و كثرة الشكوى و ظهور الذم و التبرّم. و من رياضة النفس على التصبّر و هو مقام المتصبرين و حال ضعفاء المريدين أن النفس الأمارة إذا جنحت بك إلى فضول الشهوات أو نازعتك إلى مطالبة متقدم العادات أن تمنعها حاجتها من كل شيء فيشغلها منع الحاجة و وجود الفاقة ممّا لا بدّ منه عن طلب فضول الشهوات فإذا رضتها بالمنع و منعتها محبوبها بالتصبّر عن الحلال انقادت لك بالصبر عن فضول الشهوات فتكون تاركة لشهوة بعوض عاجل من مباح و تكون صابرة عن فضول شهوة لما منعتها من منال الفاقة و تاركة للهوى طمعا في نوال الحاجة من الغذاء و هذا من أكبر أبواب الرياضات للنفوس الطامحات و فيه فضل الأقوياء من المتصبرين الذين لم تستجب لهم نفوسهم بالصبر و الصلاة و لم تنقد بالجوع و الظماء. فأما الضعفاء من أهل الطبقة الثالثة لا من الأوّلين أهل الصوم و الصلاة و لا من هؤلاء فإنهم لا يصبرون على تصبر النفس عن الحاجة كما لا تصبر نفوسهم عن الشهوة فرياضة هؤلاء لنفوسهم أن يقطعوها من كل حرام معناه من الحلال و من كل شهوة مهلكة وصفها من شهوة مقتصدة لتسكن نفوسهم بذلك في حبسها عن المحرّمات و تنقطع شهوتها عمّا وراء ذلك من الموبقات فبهذا تطمئن نفوس الضعفاء. و قد اختلف الناس في الصبر و الشكر أيّهما أفضل و ليس يمكن الترجيح بين مقامين لأن في كل مقام طبقة متفاوتين. و المحققون من أهل المعرفة يقولون إنه لا يجتمع عبدان في مقام بالسواء بل لا بدّ من أن يكون أحدهما أعلى بعلم أو عمل أو وجد أو مشاهدة و إن كان الصواب و القصد و الأصل واحدا و أعلى التفاوت مشاهدات الوجه.