قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١١ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
بالذكر و نعت نفس ساكنة بمزيد السكينة و البر كما وصف من قلوب المؤمنين في صريح الكلام و في دليل الخطاب. فأما صريحه فقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] و قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [الفتح: ٤] و أما دليل الكلام الذي يشهد بالتدبر فقوله تعالى في وصف قلوب أعدائه المحجوبين: كانَتْ أَعْيُنُهُمْ في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً [الكهف: ١٠١] و مثله: أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى [النجم: ٣٥] ففي تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره ناظرون إلى غيبه. و قال تعالى في مثله مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَ الْأَصَمِّ [هود: ٢٤] هذا فريق المتبعين للسبل المتفرقة عن سواء السبيل بهم الضالين عن سواء الصراط، وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ [هود: ٢٤] هو فريق المهتدين المتبعين للصراط المستقيم. و قال تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ [هود: ٢٠] أو ألقي السمع و هو شهيد إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم و قال صلّى الله عليه و سلم في مجمل صفة القلب التقوى هاهنا و أشار إلى القلب و قال الله سبحانه و تعالى في ذكر القلوب المقفلة بالذنوب: لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [الأعراف: ١٠٠] و قال تعالى في فض طابعها بالتقوى: وَ اتَّقُوا الله وَ اسْمَعُوا [المائدة: ١٠٨] و اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله [البقرة: ٢٨٢] و في الخبر: إذا أراد الله بعبد خيرا جعل الله زاجرا من نفسه و واعظا من قلبه. و في الخبر الآخر: من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ. و روينا في تفسير قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ [آل عمران: ١٩٣] قال سمعناه من قلوبنا و قال في ضده لأعدائه: أُولئِكَ يُنادَوْنَ من مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤] عن قلوبهم. و قال الله تعالى في التوبة من ميل القلوب و همها: إِنْ تَتُوبا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤]. و بمعناه و هموا بما لم ينالوا فإن يتوبوا يك خيرا لهم. و قال في تحقيق العمى للقلب: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] فأهل القلوب يتعظون بلا واعظ من خلق و يزدجرون بلا زاجر في ظاهر و سائر ما ذكرناه من الخواطر لا تعدمه المؤمنون و القلب خزانة الله تعالى من خزائن الغيب و هذه المعاني جنود الله تعالى مقيمة حول القلب يخفي منها ما يشاء و يظهر و يبدي منها ما يريد و يعيد و يبسط القلب بما يشاء منها و يقبضه فيما شاء عنها و كل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين، و لكن يضعف الخاطر