قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٠ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
و في لفظ آخر كان الناس يقولون يا رسول الله ما لمن عمل كذا و كذا يسألونه عن فضائل الأعمال و كنت أقول: يا رسول الله ما يفسد كذا و كذا؟ فلما رآني أسأل عن آفات الأعمال خصني بهذا العلم و كان حذيفة قد خص بعلم المنافقين و أفرد بمعرفة علم النفاق و بسرائر العلم و دقائق الفهم و خفايا اليقين من بين الصحابة فكان عمر و عثمان و أكابر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم يسألونه عن الفتن العامة و الفتن الخاصة و يرجعون إليه في العلم الذي خصه به و يسألونه عن المنافقين و هل بقي منهم ممن ذكر الله تعالى و أخبر عنهم أحد فكان يخبر بأعدادهم و لا يذكر أسماءهم و كان عمر يستكشفه عن نفسه هل يعلم فيه شيئا من النفاق فبرأه منه ثم يسأله عن علامات النفاق و آية المنافق فيخبر من ذلك بما يصلح مما أذن له فيه و يستعفي مما لا يجوز له أن يخبر به فيعذر في ذلك و كان عمر رضي الله عنه إذا دعي إلى جنازة ليصلي عليها نظر فإن حضر حذيفة صلّى عليها و إن لم ير حذيفة لم يصل عليها و كان حذيفة يسمى صاحب السر و كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم إذا سئلوا عن علم يقول أحدهم تسألوني عن هذا و صاحب السر فيكم يعني حذيفة. و روينا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه لما حدث عن النبي في فضل مجلس الذكر لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربع رقاب. قال: فالتفت إلى يزيد الرقاشي و زياد النميري فقال لم تكن مجالس الذكر مثل مجالسكم هذه يقص أحدكم و يخطب على أصحابه و يسرد الحديث سردا إنما كما نقعد فنذكر الإيمان و نتدبر القرآن و نتفقه في الدين و نعد نعم الله تعالى علينا و قد كان عبد الله بن رواحة يقول لأصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم: تعالوا حتى نؤمن ساعة فيجلسون إليه فيذكرهم العلم باللّه تعالى و التوحيد و الآخرة و كان يخلف رسول الله صلّى الله عليه و سلم بعد قيامه فيجتمع إليه الناس يذكرهم الله تعالى و أيامه و يفقههم فيما قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم فربما خرج عليهم رسول الله صلّى الله عليه و سلم و هم مجتمعون عنده فيسكتون فيجلس إليهم و يأمرهم أن يأخذوا فيما كانوا فيه و يقول صلّى الله عليه و سلم بهذا أمرت و إلى هذا دعوت. و روي نحو هذا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه و قد كان يتكلم بهذا العلم. و قد روينا هذا مفسرا في حديث جندب: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه و سلم فيعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن فسمي علم الإيمان إيمانا كما سماه ابن رواحة لأن علم الإيمان وصف الإيمان و العرب تسمي الشيء بوصفه و تسميه بأصله كما قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم في مثله: تعلموا اليقين، و كما قال تعالى: وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ من الْحُزْنِ [يوسف: ٨٤] أي من البكاء فسماه بأصله لأن الحزن أصل البكاء. و روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم أنه خرج ذات يوم فرأى مجلسين، أحدهما يدعون الله