قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣٣ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
وجودها فليعمل المريد في قطع وساوس النفس بالخطايا و إلا وقع فيها لأن الخواطر تقوى فتكون وسوسة. فإذا كثرت الوساوس صارت طرقا للعدوّ بالتزيين و التسويل فأضرّ شيء على التائب تمكينه خاطر السوء من قلبه بالإصغاء إليه فإنه يدب في هلكته و كل سبب يدعو إلى معصية أو يذكر بمعصية فهو معصية و كل سبب يئول إلى ذنب و يؤدي إليه فهو ذنب و إن كان مباحا و قطعه طاعة و هذا من دقائق الأعمال و كان يقال: من أتى عليه أربعون و هو العمر و كان مقيما على الذنب لم يكد يتب منه إلا القليل من المتداركين. و قد روي في الخبر: المؤمن كل مفتن تواب و إن للمؤمن ذنبا قد اعتاده الفيئة بعد الفيئة يعني حينا بعد حين. و في الحديث: كل بني آدم خطاء و خير الخطائين المستغفرون. و في الخبر الآخر: المؤمن واه راقع فخيرهم من مات على رقعه أي واه بالذنوب راقع بالتوبة و الاستغفار. و قد وصف الله تعالى المؤمنين بترك متابعة الذنوب و ترادف السيئة بالحسنة في قوله تعالى: وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢]. و قد جعل هذا من وصف العاملين الذين صبروا فقال تعالى: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [القص ٥٤] فجعل تعالى لهم صبرين عن الذنب و على التوبة فآتاهم به أجرين و قد اشترط الله تعالى على التائبين من المؤمنين ثلاث شرائط و شرط على التائبين من المنافقين أربعة لأنهم اعتلوا بالخلق في الأعمال فأشركوهم بالخالق في الإخلاص فزاد عليهم الشرط تشديد الشدة دخولهم في المقت و اعتل غيرهم بوصفه فخفف عنهم شرطين فقال عزّ و جلّ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا [البقرة: ١٦٠] قوله تعالى تابوا أي رجعوا إلى الحق من أ هوائهم، و أصلحوا يعني ما أفسدوا بنفوسهم. و بينوا فيها وجهان، أحدهما بينوا ما كانوا كتموا من الحق و أخفوا من حقيقة العلم و هذا لمن عصى بكتم العلم و لبس الحق بالباطل و قيل: بينوا توبتهم حتى تبيّن ذلك فيهم فظهرت أحكام التوبة عليهم. و قال في الشرطين الآخرين: إِنَّ الْمُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ من النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النساء: ١٤٦]. لأنهم كانوا يعتصمون بالناس و بالأموال و كانوا يراءون بالأعمال فلذلك اشترط عليهم الاعتصام باللّه و الإخلاص للَّه عزّ و جلّ فينبغي أن تكون توبة كل عبد عن ضد معاصيه قليلا بقليل أو كثيرا بكثير و يكون التائب على ضد ما كان أفسد ليكون كما قال الله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف: ١٧٠]. و لا يكون العبد تائبا حتى يكون مصلحا و لا يكون مصلحا حتى يعمل الصالحات ثم يدخل في الصالحين.