قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣٢ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
جنود الله تعالى لولاها لكان الناس كلهم تائبين و لو لا الابتلاء لكان التائبون مستقيمين ثم إن يعمل في قطع معتاد إن كان ثم ليصبر على مجاهدة النفس في هوى إن بلي به. فهذه الخصال من أفضل أعمال المريدين و أزكاها و معها تلهم النفس المطمئنة رشدها و تقواها و بها تخرج من وصف الأمّارة بالسوء إلى وصف المطمئنة إلى أخلاق الإيمان و هذا أحد المعاني في الخبر الذي روى: أفضل الأعمال ما أكرهتم عليه النفوس، لأن النفس تكره خلاف الهوى، و الهوى هو ضد الحق و الله تعالى يحب الحق فصار جبار النفس على خلاف الهوى و على وفاق الحق لأن محبة الحق من أفضل الأعمال كما قال تعالى: وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] الآية. و استثنى من أهل الخسر الذين تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر و هذا أوّل اليقين. و حدثت عن بعض أهل الاعتبار: إنه كان يمشي في الوحل فكان يتقي و يشمر ثيابه عن ساقيه و يمشي في جوانب الطريق إلى أن زلقت رجله في الوحل فأدخل رجليه في وسط الوحل و جعل يمشي في المحجة قال: فبكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب و يجانبها حتى يقع في ذنب منها و ذنبين فعندها يخوض الذنوب خوضا و على العبد أن يتوب من الغفلة التي هي كائنة فإذا عرف هذا لم تنقطع أبدا توبته و قد جعل الله تعالى أهل الغفلة في الدنيا هم أهل الخسران في العقبي. فقال عز من قائل: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩]. لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون و لكن غفلة دون غفلة و خسران دون خسران و لا تستحقرن الغفلة فإنها أوّل المعاصي و هي عند الموقنين أصل الكبائر و قد جعل علي كرم الله وجهه الغفلة إحدى مقامات الكفر و قرنها بالعمى و الشك و أمال صاحبها عن الرشد و وصفها بالحسرة فقال في الحديث الذي يروى من طريق أهل البيت: فقام عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ما بني؟ فقال: على أربع دعائم: على الجفاء، و العمى، و الغفلة، و الشك. فمن جفا احتقر الحق و جهر بالباطل و مقت العلماء، و من عمى نسي الذكر و من غفل حاد عن الرشد و غرّته الأماني فأخذته الحسرة و الندامة و بدا له من الله ما لم يكن يحتسب، و من شكّ تاه في الضلالة. و قال بعض العلماء: من صدق في ترك شهوة و جاهد نفسه للَّه تعالى سبع مرات لم يبتل بها. و قال آخر: من تاب عن ذنب و استقام سبع سنين لم يرجع إليه أبدا. و قال بعض العلماء: كفارة الذنب المعتاد أن تقدر عليه عدد ما أتيته ثم لا تقع فيه فيكون كل ترك كفارة لفعل و هذا حال الأقوياء من التوّابين و ليس هو طريق الضعفاء من المريدين بل حال الضعفاء و الهرب و البعد. و من حدث نفسه بمعصية في عدمها لم يملك نفسه عند