قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣٠ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
أن الحلم لا يرفع العقوبة و لكن يؤخرها. و من شأن الحليم أن لا يعجل بالعقوبة و قد يعاقب بعد حين. و روينا في معنى قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ٤٤]. أي الرخص و الرغد حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً قيل بعد ستين سنة. و في الخبر: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهمّ بطلب المعيشة. و في لفظ آخر: لا يكفّرها إلا الهموم و الأحزان و الاهتمام بالمباحات من حاجات الدنيا للفقراء كفارات و هو على ما يفوت من قربات الآخرة للمؤمنين درجات و هو على محب الدنيا و الجمع منها و الحرص عقوبات. و قال بعض السلف: كفى به ذنبا لا يستغفر منه حبّ الدنيا و قال آخر: لو لم يكن للعبد من الذنوب إلا أنه يقيم بمصائب الدنيا بما لا يقيم بما لا يفوته فيها من نصيب الآخرة و التزوّد لها. و في حديث عائشة رضي الله عنها: إذا كثرت ذنوب العبد و لم يكن له من الأعمال ما يكفّرها أدخل الله عزّ و جلّ عليه الغموم و الهموم فتكون كفّارة لذنوبه و يقال: إن الهمّ الذي يعرض للقلب في وقت لا يعرف العبد سبب ذلك فهو كفّارات الهم بالخطايا و يقال: هو حزن العقل عند تذكره الوقوف و المحاسبة لأجل جنايات الجسد فيلزم العقل ذلك الهمّ فيظهر على العبد منه كأنه لا يعرف سبب غمه. و من أخبار يعقوب عليه السلام: إن الله تعالى أوحى إليه: لو لا ما سبق لك في علمي من عنايتي بك لجعلت نفسي عندك أبخل الباخلين لكثرة تردادك إليّ بطول سؤالك لي و تأخيري إجابتك و لكن من عنايتي بك أن جعلت نفسي في قلبك إني أرحم الراحمين و أحكم الحاكمين. و قد سبق لك عندي منزلة لم تكن تنالها بشيء من علمك إلا بحزنك على يوسف فأردت أن أبلغك تلك المنزلة. و كذلك ما روينا أن جبريل عليه السلام لما دخل على يوسف عليه السلام في السجن قال له: كيف تركت الشيخ الكئيب؟ قال: قد حزن عليك حزن مائة ثكلى، قال: فما ذا له عند الله تعالى؟ قال: أجر مائة شهيد. و في خبر رويناه عن السلف: ما من عبد يعصى إلا استأذن مكانه من الأرض أن يخسف به و استأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسفا فيقول الله عزّ و جلّ للأرض و السماء كفًّا عن عبدي و أمهلاه فإنكما لم تخلقاه و لو خلقتماه لرحمتماه لعله يتوب إليّ فأغفر له لعله يستبدل صالحا فأبدله حسنات فذلك معنى قوله تعالى إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: ٤١] أي من معاصي العباد: وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما من أَحَدٍ من بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً [فاطر: ٤١] أي عن معاصيهم غَفُوراً لمساوئهم و قيل في تفسير ذلك: إن الله عزّ و جلّ إذا نظر إلى معاصي العباد غضب