قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٨ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
و حدثونا عن منصور الفقيه قال: رأيت أبا عبد الله السكري في النوم فقلت: ما فعل الله بك قال: أوقفني بين يديه في العرق حتى سقط لحم خدي قلت: و لم ذاك قال: نظرت إلى غلام مقبلا و مدبرا و العقوبة موضوعها الشدة و المشقة. فعقوبة كل عبد من حيث يشتد عليه. فأهل الدنيا يعاقبون بحرمان رزق الدنيا من تعذر الإكساب و إتلاف الأموال و أهل الآخرة يعاقبون بحرمان رزق الآخرة من قلة التوفيق للأعمال الصالحات و تعذر فتوح العلوم الصادقة ذلك تقدير العزيز العليم. و كان أبو سليمان الداراني يقول: الاحتلام عقوبة: و قال: لا يفوت أحدا صلاة في جماعة إلا بذنب يحدثه فدقائق العقوبات على قدر ترافع الدرجات. و قد جاء في الأخبار ما أنكرتم من زمانكم فبما غيرتم من أعمالكم. و في الخبر يقول الله عزّ و جلّ: إن أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي فهذه عقوبة أهل المعاملات و لو ظهر تغيّر القلب عند المعصية على وجه العاصي لاسودّ وجهه و لكن الله تعالى سلم بحلمه و ستره فغطى ذلك في القلب مع تأثيره فيه و حجابه لصاحبه و قسوته عن الذكر و عن طلب الخير و البر و المسارعة إلى الخير و هو من أكثر العقوبات و يقال: إن العبد إذا عصى أظلم قلبه ظلمة يثور على القلب منها دخان يشهده الإيمان فهو مكان حزن العبد الذي تسوءه سيئته و يكون ذلك الدخان حجابا له عن العلم و البيان كما تحجب السحابة للشمس فلا ترى و يكون غلفا يجده في نفسه للخلق فإذا تاب العبد و أصلح انكشف الحجاب فيظهر الإيمان فيأمر بالعلم كما تبرز الشمس من تحت الحجاب. و من هذا قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قيل: هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب و يصير الإيمان تحت الحجاب فلا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا و عندها ينكس أعلاه أسفله إذا استكمل سواده. فحينئذ مرد على النفاق فأملس فيه و اطمأن به و ثبت إلى أن ينظر الله تعالى إليه فيعطف بفضله عليه. و قد كان الحسن رضي الله عنه يقول: إن بين العبد و بين ربه عزّ و جلّ حدا من المعاصي معلوما إذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفقه بعدها للخير. و في حديث ابن عمر: الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت الحرمات و استحلت المحارم أرسل الله تعالى الطابع فطبع على القلوب بما فيها. و في حديث مجاهد: القلب مثل الكف المفتوحة فكلما أذنب ذنبا انقبضت أصبع حتى تنقبض الأصابع كلها فتشد على القلب فذلك هو القفل. و يقال لكلّ ذنب نبات ينبت على القلب فإذا كثرت الذنوب قام النبات حول القلب مثل الكمّ للثمرة فانضمّ على القلب فذلك هو الغلاف. و يقال: إنه الكنان أحد الأكنة التي ذكر الله تعالى أن