قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٩ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
القلب لا يسمع معها و لا يفقه. و قد حدثني بعض هذه الطائفة عن أبي عمرو بن علوان في قصة تطول قال فيها: فكنت قائما أصلّي ذات يوم فخامر قلبي هواء طاولته بفكري حتى تولد منه شهوة الرجل قال: فوقعت إلى الأرض و اسودّ جسدي كله فاستترت في البيت ثلاثة أيام فلم أخرج و قد كنت أعالج غسله في الحمام بالصابون و الألوان الغاسلة فلا يزداد إلا سوادا قال ثم انكشف عني بعد ثلاث فرجعت إلى لوني البياض قال: فلقيت أبا القاسم الجنيد رحمه الله و كان وجه إلي فأشخصني من الرقة فلما أتيته قال لي: أما استحيت من الله تعالى كنت قائما بين يديه فسامرت نفسك شهوة حتى استولت عليك برقة فأخرجتك من بين يدي الله تعالى لو لا أني دعوت الله عزّ و جلّ لك و تبت إليه عنك للقيت الله تعالى بذلك اللون قال فعجبت كيف علم بذلك، و هو ببغداد و أنا بالرقة و لم يطلع عليه إلا الله عزّ و جلّ. فذكرت هذه الحكايات لبعض العلماء فقال: كان هذا رفقا من الله تعالى به و خيرة له إذ لم يسوّد قلبه و ظهر السواد على جسده و لو بطن في قلبه لأهلك ثم قال: ما من ذنب يرتكبه العبد يصرّ عليه إلا اسودّ القلب منه مثل سواد الجسم الذي ذكره لا يجلوه إلا التوبة و لكن ليس كل عبد يصنع له صنع ابن علوان و لا يجد من يلطف له به مثل أبي القاسم الجنيد رحمه الله و لكلّ ذنب عقوبة إلا أن يعفو الله و العقوبة ليست على قدر الذنب و لا من حيث يعلم العبد لكنها على تقدير المشيئة و عن سابق علم الربوبية فربما كانت في قلب و هي من أمراض القلوب و ربما كانت في الجسد و قد تكون في الأموال و الأهل و تكون في سقوط الجاه و المنزلة من عيون علماء الإسلام و المؤمنين و قد تكون مؤجله في الآخرة و هذه أعظم العقوبات و هي لأهل الكبائر من الموبقات الذين ماتوا عن غير توبة و لأهل الإصرار و العزة و الاستكبار لأنها إذا كانت في الدنيا كانت يسيرة على قدر الدنيا و إذا تأخرت كانت عظيمة على قدر الآخرة. و في الخبر: إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا عجّل له عقوبة ذنبه و إذا أراد به شرا أخره حتى يوافي به الآخرة. و اعلم أن الغم على ما يفوت من الدنيا و الهم بالحرص عليها من العقوبات و الفرح و السرور بما نال من الدنيا مع ما لا يبالي ما خرج من دينه من العقوبات. و قد يكون دوام العوافي و اتساع الغنى من عقوبات الذنوب إذا كانا سببين إلى المعاصي. و قد تكون عقوبة الذنب ذنبا مثله أو أعظم منه كما يكون مثوبة الطاعة طاعة مثلها أو أفضل منها. و في أحد الوجوه من معنى قوله تعالى: وَ عَصَيْتُمْ من بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢]. قال: الغنى و العافية كما يكون الفقر و السقم برحمة من الله تعالى إذا كانا سببا للعصمة و هما أمّهات المعاصي إذا كانا سببين لها و مطرقين إليها. و اعلم