قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٦ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
تعالى عملة السوء جهلة فقال تعالى: أَنَّهُ من عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ [الأنعام: ٥٤]. و قال تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل: ٥٥] و قال: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [الأعراف: ٨١]. و يقال: إن العرش يهتز و يغضب الرب تعالى لثلاثة أعمال: لقتل النفس بغير نفس، و إتيان الذكر بالذكر، و ركوب الأنثى الأنثى. و في خبر: لو اغتسل اللوطي بالبحار لم يطهّره إلا التوبة و لو لم يكن في يسير المعصية من الشؤم إلا حرمان الطاعة و فقد حلاوة الخدمة و مقت المولى لكان هذا من أعظم العقوبات. كما قال وهيب بن الورد و قد سئل: هل يجد العاصي حلاوة الطاعة قال: لا و لا من هم بمعصية. و لذلك سمّى الله تعالى يحيى سيدا لأنه لم يهمّ بمعصية فصار علامة السيد بقدر سؤدد من لا يهمّ بالمعاصي فصار من لا يهمّ بالمعاصي سيدا. و في خبر من لبس ثوب شهرة و في بعضها: من نظر إلى عطفيه فاختال أعرض الله تعالى عنه و إن كان عنده حبيبا كيف و في المخالفة وجود البعد و الوحشة و الانقطاع من المعاملة. و روينا في خبر: إن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده و بدت عورته قال: فاستحيا التاج و الإكليل من وجهه أن يرتفعا عنه فجاءه جبريل عليه السلام فأخذ التاج عن رأسه و حل ميكائيل الإكليل عن جبينه و نوديا من فوق العرش: اهبطا من جواري فإنه لا يجاورني من عصاني. فالتفت آدم إلى حوّاء باكيا و قال: هذا أول شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب. و روينا أن سليمان نبي الله صلّى الله عليه و سلم لما عوقب على خطيئته من أجل التمثال الذي عبد في داره أربعين يوما و قيل: إن المرأة سألته أن يكون الحكم لأبيها على خصمه فقال: نعم و لم يفعل و قيل: بل أحب بقلبه أن يكون الحكم لأبيها على خصمه لمكانها فسلب ملكه أربعين يوما فهرب تائها على وجهه و كان يسأل بكفه فلا يطعم فإذا قال: أطعموني فإني سليمان بن داود شج و ضرب. و لقد بلغني أنه استطعم من بيت فطرد و بزقت امرأة في وجهه. و في رواية قال: فأخرجت إليه عجوز جرة فيها بول فصبته على رأسه إلى أن خرج له الخاتم من بطن الحوت فلبسه بعد انقضاء الأربعين و هي أيام العقوبة قال: فجاءت الطير فعكفت عليه و جاءت الجنّ و الشياطين و الوحوش فاجتمعت حوله. فلما عرفه الصيادون عقروا بين يديه و اعتذروا إليه مما كانوا طردوه و شجوه فقال: لا ألومكم فيما صنعتم قبل و لا أحمدكم فيما تصنعون الآن. هذا أمر من السماء فلا بدّ منه و لقد بلغني أنه كان في مسيره و الريح تحمله في جنوده إذ نظر إلى قميصه نظرة و كان عليه قميص جديد فكأنه أعجبه فوضعته الريح بالأرض فقال لها لم فعلت و لم آمرك قال: إنما نطيعك إذا أطعت الله تعالى.