قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٥ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
تعالى عليه و يستخف بحلم الله تعالى عنه، فيكون ذلك من الاغترار و الأمن أو يجهل نعمة الله تعالى عليه في ستره و إظهار ضده كما قال في الدعاء المأثور الذي يمدح الله سبحانه و تعالى به: يا من أظهر الجميل و ستر على القبيح و لم يؤاخذ بالجريرة و لم يهتك الستر و يقال كلّ عاص تحت كنف الرحمن فإذا رفع يديه عنه انهتك ستره. و من ذلك المجاهرة بالذنب و الصول به و التظاهر و هذا من الطغيان. و في الخبر: كل الناس معافى إلا المجاهرين يبيت أحدهم على الذنب. قد ستره الله تعالى عليه فيصبح فيكشف ستر الله تعالى و يتحدث بذنبه و ربما سن العاصي بالذنب سنّة اتبع عليها فتبقى سيئات ذنبه عليه ما دام يعمل به و قد قيل: طوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه و لم يؤاخذ بها بعده و طوبى لمن لم يعدد ذنبه غيره. قال بعضهم: لا تذهب لا تذهب فإن كان لا بدّ فلا تحمل غيرك على الذنب فتكسب ذنبين. و قد جعل الله تعالى هذا المعنى وصفا من أوصاف المنافقين في قوله تعالى: الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة: ٦٧]. فمن حمل أخاه على ذنب معه فقد أمر بالمنكر و نهى عن المعروف. و قال بعض السلف: ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصيته ثم يهونها عليه و قد يعيش العبد أربعين سنة ثم يموت فتبقى ذنوبه بعده مائة سنة يعاقب عليه في قبره إذا كان قد سنّها سنّا و أتبع عليها إلى أن تندرس أو يموت من كان يعمل بها ثم تسقط عنه و يستريح منها. و يقال: أعظم الذنوب من ظلم من لا يعرفه و لم يره من المتقدمين مثل أن يتكلم فيمن سلف من أهل الدين و أئمة المتقين. فهذه المعاني كلها تدخل على الذنب الواحد و هي أعظم منه و من ذلك قوله تعالى: وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ [يس: ١٢] قيل: سننهم التي عمل بها بعدهم. و في الخبر: من سنّ سنّة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه مثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا. و كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ويل للعالم من الأتباع يزل زلة فيرجع عنها و يحتملها الناس فيذهبون بها في الآفاق. و قال بعض أهل الأدب: مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق و يغرق الخلق معها. و في الخبر الإسرائيلي: إن عالما كان يضلّ الناس بالبدع ثم أدركته توبة فرجع إلى الله تعالى و عمل في الإصلاح دهرا فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: قل له إن ذنبك لو كان فيما بيني و بينك لغفرته لك بالغا ما بلغ و لكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار. فأما استحلال المعصية أو إحلالها للغير فليس من هذه الأبواب في شيء إنما ذلك خروج عن الملة و تبديل للشريعة و هو الكفر باللّه تعالى كما روي عن النبي صلّى الله عليه و سلم: ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه و قد سمّى الله