قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٣ - شرح مقام الصبر و وصف الصابرين و هو الثاني من مقامات اليقين
و احتسب ظفر بكمال ثوابه، ثم قرأ ما عندكم ينفد و ما عند الله باق و ليجزينّ الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. و في حديث ابن المنكدر عن جابر قال: سئل رسول الله عن الإيمان فقال الصبر و السماحة. و قد قال الله تعالى و هو أصدق القائلين: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [القص ٥٤]. و قال عزّ و جلّ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠] فضاعف أجر الصابرين على كلّ عمل ثم رفع جزاء الصبر فوق كلّ جزاء فجعله بلا نهاية و لا حدّ فدلّ ذلك أنه أفضل المقامات و جمع للصابرين ثلاثا فرقها على جمل أهل العبادات، الصلاة، و الرحمة، و الهدى بعد البشارة في الآخرة و العقبي. و كان عمر رضي الله عنه يقول: نعم العدلان و نعمت العلاوة للصابرين. يعني بالعدلين الصلاة و الرحمة و بالعلاوة الهدى، و العلاوة ما يعلى به فوق الحملين على البعير فيكون كعدل ثالث. و قد أخبر الله تعالى أنه مع الصابرين، و من كان الله تعالى معه غلب، كما أن من كان معه علا. فقال تعالى: وَ اصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦]. كما قال الله عزّ و جلّ: وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ الله مَعَكُمْ [محمد: ٣٥] و اشتراط الصبر لإمداده بجنده و لنصرة تأييده بقوله تعالى: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ من فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ من الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: ١٢٥]. و كان سهل يقول: الصبر تصديق الصدق و أفضل منازل الطاعة الصبر على المعصية ثم الصبر على الطاعة. و قال في معنى قوله عزّ و جلّ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا [الأعراف: ١٢٨] أي استعينوا باللّه على أمر الله. و اصبروا على أدب الله. و قال: لم يمدح الله تعالى أحدا إلا من صبر للبلاء و الشدة فبذلك يثني عليه. و كان يقول: الصالحون في المؤمنين قليل، و الصادقون في الصالحين قليل، و الصابرون في الصادقين قليل. فجعل الصبر خاصيّة الصدق و جعل الصابرين خصوص الصادقين. و كذلك الله تعالى و هو أصدق القائلين، قد رفع الصابرين على الصادقين في ترتيب المقامات، فجعل الصبر مقاما في الصدق إن كانت الأوصاف المنسوقة نعتا واحدا للمسلمين. و كانت الواو للمدح و إن كانت مقامات فالواو للترتيب. فقد جعل الله الصابرين فوق الصادقين و القانتين أعني في قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ [الأحزاب: ٣٥] الآية. و في حديث عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما دخل رسول الله صلّى الله عليه و سلم على الأنصار قال: أ مؤمنون أنتم؟ فسكتوا فقال عمر رضي الله عنه: نعم يا رسول الله قال: و ما علامة إيمانكم؟ قال: نشكر في الرخاء و نصبر على البلاء و نرضى القضاء فقال: مؤمنون و رب الكعبة. و الصبر ينقسم على عملين،