قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٥ - شرح مقام الصبر و وصف الصابرين و هو الثاني من مقامات اليقين
[العنكبوت: ١٠] له، يعني فتنة الناس به كعذاب الله تعالى يعني إياه أي ليس ذلك عذابا مني إنما هو رحمة باطنة فهو كقوله تعالى: وَ أَمَّا إِذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ. كَلَّا [سورة الفجر: ١٦- ١٧] أي لم أهنك بالفقر كما لم أكرم الآخر بالإكرام و التنعيم و على معنى هذا خاطب نبيه صلّى الله عليه و سلم بالصبر الذي أمره به فقال تعالى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ [ ١٧] فسلاه به و فضله عليه. و قد روينا في خبر: يؤتي بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله تعالى جزاء الشاكرين و يؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له: أ ترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر؟ فيقول: نعم يا رب فيقول الله تعالى: كما أنعمت عليه فشكر و ابتليتك فصبرت لأضعفنّ لك الأجر عليه فيعطي أضعاف جزاء الشاكرين. و كتب ابن أبي نجيح يعزي بعض الخلفاء فقال في كتابه: إن أحقّ من عرف حقّ الله فيما أخذ منه من عظم حقّ الله تعالى عنده فيما أبقى. و اعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك و الباقي بعدك هو المأجور فيك. و اعلم أن أجر الصابرين فيما يصابون فيه أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون به. و في الأخبار: ما من عبد إلا يعطى أجره بحساب و حدّ إلا الصابرين فإنهم يجازفون مجازفة بغير ميزان و لا حدّ. و جاء في الخبر أن أبواب الجنة مصراعان يأتي عليها زحام كثير إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد لا يدخل منه إلا الصابرون أهل البلاء في الدنيا، واحد بعد واحد. و قد قال الله تعالى في جزاء المخلصين: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ٤١]. و قال تعالى في جزاء الصابرين إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠]. قيل في التفسير: يغرف لهم غرفا، المعنى في ذلك أن الصبر أشق شيء على النفس و أكرهه و أمرّه على الطبع و أصعبه فيه الألم و الكظم عند الذل و الحلم و منه التواضع و الكتم و فيه الأدب و حسن الخلق و به يكون كفّ الأذى عن الخلق و احتمال الأذى من الخلق، و هذه من عزائم الأمور التي يضيق منها أكثر الصدور و فيه إكراه النفوس و حملها على الشدة و البؤس. و قد جاء أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس. و لأجل ذلك اشترط الله تعالى على المتّقين و الصادقين الصبر في الشدائد و المكاره و حقق بالصبر صدقهم و تقواهم و أكمل به وصفهم و أعمال برّهم فقال تعالى: وَ الصَّابِرِينَ في الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧]. فمعنى الصبر حبس النفس عن السعي في هواها و حبسها أيضا عن مجاهدتها لمرضاة مولاها بمثل ما يوجب المجاهدة على قدر ما يبتلي به العبد لأن المجاهدة على قدر البلاء و الحبس عن