قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٨ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
لهم فترى من واجهته بوجهي لعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه لو كانت السموات و الأرض في موازينهم لاستقللتها لهم أوّل ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم و هذا هو ظاهر أوصافهم و أوّل عطاياهم فطلب هؤلاء لا يعرف و نصيبهم لا يكيف و مطلوبهم كنه قدره لا يوصف عطاؤهم غير مخلوق و مشاهدتهم وصف التحقيق بعين اليقين إلى حق اليقين فأول نصيبهم من مطلوبهم علم اليقين و هو صفاء المعرفة باللّه تعالى و آخر علم الإيمان أول عين اليقين و هو مشاهدة وصف معروف و هذه وجهة التوحيد و لا آخر لأول علم اليقين و لا انقطاع لآخر نصيبهم من مشاهدتهم. فظاهر التوحيد توحيد الله تعالى في كل شيء و توحيده بكل شيء و مشاهدة إِيجاده قبل كل شيء و لا نهاية لعلم التوحيد و لا غاية لمزيد عطاء الموحدين و لكن لهم نهايات يوقفون تحتها و غايات يصدرون عنها تجعل أماكن لمزيدهم و يزدادون في وسعها و يمدون بعلوم يطلبون بها ما يكاشفون به لما وراءها أبدا لا بديلا آخر و لا أمد و لا يصل العبد إلى مشاهدة علم التوحيد إلا بعلم المعرفة و هو نور اليقين و لا يعطي نور اليقين حتى تمخض الجوارح بالأعمال الصالحات، كما يمخض الزق باللبن حتى تظهر الزبدة، و هي اليقين. و ليست هذه الزبدة غاية الطالبين و لا بغية الصديقين لأن وراءها صفوها و خالصها ثم تذاب هذه الزبدة حتى يخلص سمنها و هو صفوها و نهايتها و هذا مثل لعين اليقين بعد علمه و بعد مشاهدة الوجه بمرآة القرب و هي نوره فحينئذ لا يفارقه و جده و حضوره فيرفع العبد من خواطر اليقين إلى مشاهدة الصفات بعد ذوب علم الخواطر يتجوهر نور شعاع وجه الذات و هذا مقام الإحسان و إن الله لمع المحسنين بعد مجاهدتهم النفوس فيه و بيعها مع الأموال منه فأحسن إليهم باشترائها منهم و كان معهم كما قال سيجزيهم وصفهم فإنما كانوا محسنين لأن المحسن معهم كما كانوا أعلين إذ الأعلى معهم فقد قال: وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ الله مَعَكُمْ [محمد: ٣٥] و سئل رسول الله صلّى الله عليه و سلم عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه. و ينتقل العبد من أعمال الجوارح و هي المجاهدة التي طرح عليه ثقلها فحملها فتحمل فيما حمل و تحفظ له ما استحفظ إلى علم اليقين و هو الروح و الرضا و هذا هو هداية السبيل. و أوّل هذا كله أن يدخل العبد بعد التوبة النصوحة في أحوال المريدين و أعمال المجاهدين للنفس و العدوّ ثم ينتقل إلى خواطر اليقين فهذا ميراث المجاهدين. كما قال: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا [العنكبوت: ٦٩] يعني نفوسهم و أموالهم و جاهدوا عدوّهم إذ يعدهم الفقر و يأمرهم بالفحشاء فصابرهم فغلبوه فباعوا النفوس و الأموال فأعتقوا من رق الهوى و نجوا من أهوال الحساب: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: ٦٩] أي لنطرقنّهم إلى