قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤٩ - ذكر بيان تفضيل علوم الصمت و طريق الورعين في العلوم
و روينا بعض الأخبار أن في بعض الكتب المنزلة: يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به و لا في تخوم الأرضين من يصعد به و لا من وراء البحار من يعبره يأتي به العلم مجعول في قلوبكم. تأدّبوا بين يدي بآداب الروحانيين و تخلّقوا لي بأخلاق الصديقين أظهر العلم في قلوبكم حتى يعطيكم و يغمركم. و في الإنجيل مكتوب: لا تطلبوا علم ما لم تعملوا حتى تعملوا بما قد علمتم. و في أخبارنا نحن: من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم حتى قيل: من علم بعشر ما يعلم ورثه الله علم ما يجهل. و قد روينا عن حذيفة بن اليمان: إنكم اليوم في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم هلك و يأتي بعدكم زمان من عمل منهم بعشر ما يعلم نجا. هذا لقلة العاملين و كثرة البطالين. و في كتابنا المجمل المختصر: و اتقوا الله و يعلمكم الله و اتقوا الله و اعلموا و اتقوا الله و اسمعوا. و اعلم أن من عمل بعلم أو نطق به فأصاب الحقيقة عند الله تعالى فله أجران، أجر التوفيق و أجر العمل- و هذا مقام العارفين. و من نطق بجهل أو عمل به و أخطأ الحقيقة فعليه وزران- و هذا مقام الجهال. و من قال أو عمل بعلمه و أخطأ الحقيقة فله أجر لأجل العلم و هذا مقام علماء الظاهر. و من قال بجهل أو عمل عملا و أصاب الحقيقة فعلية وزر لتركه طلب العلم و هذا مقام جهلة العابدين. و مثل العالم مثل الحاكم و قد قسم النبي صلّى الله عليه و سلم الحكام ثلاثة أقسام فقال صلّى الله عليه و سلم: القضاة ثلاثة: قاض قضى بالحق و هو يعلم فذاك في الجنة و قاض قضى بالجور و هو يعلم أو قضى بالجور و هو لا يعلم فهما في النار. و من أحسن ما سمعت في قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ [الأعراف: ٢٦] قيل العلم و ريشا قيل اليقين و لباس التقوى أي الحياء. و روينا عن وهب بن منبه اليماني في معناه: الإيمان عريان و لباسه التقوى و زينته الحياء و ثمرته العلم و قد أسنده حمزة الخراساني عن الثوري فرفعه إلى عبد الله عن النبي صلّى الله عليه و سلم و قد رويناه أيضا مسندا. قال مسعر عن سعد بن إبراهيم و سأله سائل: أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم للَّه عزّ و جلّ. و قال بعض العلماء: لو قال لي قائل أي الناس أعلم لقلت أورعهم و لو قال لي قائل أي أهل هذه المدينة خير؟ لقلت: تعرفون أنصحهم لهم. فإذا قالوا نعم قلت هو خيرهم و قال آخر: لو قيل لي من أحمق الناس لأخذت بيد القاضي فقلت هذا و قال الله تعالى: وَ اتَّقُوا الله وَ اسْمَعُوا [المائدة: ١٠٨] و اتَّقُوا الله وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً [الأحزاب: ٧٠]. فجعل تعالى مفتاح القول السديد و العلم الرشيد و السمع المكين التقوى، و هي وصية الله تعالى من قبلنا و إيانا إذ يقول الله سبحانه و تعالى: وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا الله [النساء: ١٣١]. و هذه الآية