قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١٣ - الفصل التاسع عشر فيه كتاب الجهر بالقرآن و ما في ذلك من النيات و تفصيل حكم الجهر و الإخفات
الجهر أفضل لمن كان له نية في الجهر و معاملته مولاه به لأنه قد قام بسنة قراءة الليل لأن المخافت نفعه لنفسه و الجهر نفعه له و لغيره و خير الناس من ينفع الناس و النفع بكلام الله عزّ و جلّ أفضل المنافع و لأنه قد أدخل عملا ثانيا يرجو به قربة ثانية على عمله الأول فكان في ذلك أفضل و ليجعل العبد مفتاح درسه أن يقول: أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ من هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ، و ليقرأ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: ١]، و سورة: الحمد قبلها، و ليقل عند فراغه من كل سورة: صدق الله، و بلغ رسول الله، اللّهم انفعنا به، و بارك لنا فيه، الحمد للَّه رب العالمين، أستغفر الله الحي القيوم. و من حفظ جوارحه و قلبه عن المنهي فقد عمل بالقرآن إلى خاتمه لأنه مقسط على جملة العبد و جوارحه جملة. و في الجهر بالقراءة سبع نيات منها الترتيل الذي أمر به، و منها تحسين الصوت بالقرآن الذي ندب إليه في قوله صلّى الله عليه و سلّم زينوا القرآن بأصواتكم. و في قوله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي يحسن به صوته و هو أحد الوجهين و أحبهما إلى أهل العربية، و الوجه الآخر أي من لم يستغن به من الغنية و الاكتفاء. و قد يقال: من هذا الوجه يتغانى به و منها أن يسمع أذنيه و يوقظ قلبه ليتدبّر الكلام و يتفهم المعاني و لا يكون ذلك كله إلا في الجهر، و منها أن يطرد الشيطان و النوم عنه برفع صوته، و منها أن يرجو بجهره يقظة نائم فيذكر الله عزّ و جلّ، فيكون هو سبب إحيائه، و منها أن يراه بطال غافل فينشط للقيام و يشتاق إلى الخدمة فيكون معاونا له على البرّ و التقوى، و منها أن يكثر بجهره تلاوته و يدوم قيامه على حسب عادته للجهر. ففي ذلك كثرة عمله. فإذا كان العبد معتقدا لهذه النيات طالبا لها و متقربا إلى الله سبحانه و تعالى عالما بنفسه مصححا لقصده ناظرا إلى مولاه الذي استعمله فيما يرضاه فجهره أفضل لأن له فيه أعمالا و إنما يفضل العمل بكثرة النيات فيه و ارتفع العلماء و فضلت أعمالهم بحسن معرفتهم بنيات العمل و اعتقادهم لها فقد يكون في العمل الواحد عشر نيّات يعلم ذلك العلماء فيعملون بها فيعطون عشرة أجور و أفضل الناس في العمل أكثرهم نية فيه و أحسنهم قصدا و أدبا و في بعض التفاسير في قوله عزّ و جلّ وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]. قال: قراءة القرآن. و في الخبر من استمع إلى آية من كتاب الله عزّ و جلّ كانت له نورا يوم القيامة. و في خبر آخر كتب له عشر حسنات و التالي شريك المستمع في الأجر لأنه أكسبه ذلك. و قال بعضهم: للقارئ أجر و للمستمع أجران. و قال آخر: للمستمع تسعة أجور و كلاهما صحيح،