قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١٥ - الفصل التاسع عشر فيه كتاب الجهر بالقرآن و ما في ذلك من النيات و تفصيل حكم الجهر و الإخفات
و إنما يجد حلاوة الإخلاص الزاهدون في الدنيا و في مدح الناس لهم به و يتلذذون بنصح المعاملة و صدق الخدمة المحبون للَّه عزّ و جلّ الخائفون منه و اعتبار فقد ذلك بأحد شيئين: سقوط النفس باستواء المدح و الذم و هذا حال في مقام الزهد، أو الخلو من القلب بشهادة اليقين و هذا في مقام المعرفة. و في هذين المقامين يستوي السر و العلانية و قد تكون العلانية أفضل لأئمة التقوى و العدل. و حدثت عن رجل من أهل الخير قال: كنت أقرأ في السحر في غرفة لي شارعة سورة طه فلما ختمتها غفوت بعدها فرأيت شخصا نزل من السماء بيده صحيفة بيضاء فنشرها بين يدي فإذا فيها سورة طه و إذا تحت كل كلمة عشر حسنات مثبتة إلا كلمة واحدة فإني رأيت مكانها محوا و لم أر تحتها شيئا فغمني ذلك فقلت: قد و الله قرأت هذه الكلمة و لم أر لها ثوابا و لا أراها أثبتت فقال الشخص صدقت قد قرأتها و كتبناها لك الا أنا سمعنا مناديا ينادي امحوها و أسقطوا ثوابها فمحوناها فبكيت في منامي و قلت: لم فعلتم ذلك قالوا: مرّ رجل فرفعت صوتك بها لأجله فمحوناها. و قد روينا أن النبي صلّى الله عليه و سلّم سمع رجلا يجهر بقراءته فناداه: يا فلان أسمع الله و لا تسمعني و اعلم أن السمعة مقرونة بالرياء و محكوم لها بحكمه من فساد العمل و نقصان العامل و هي مأخوذة من السمع. كان العبد يسمع بعمله غير الله عزّ و جلّ و يحب أن يسمع به مخلوقا ليمدحه به لغلبة هواه و ضعف نفسه فيكون قد أشرك في عمله غير الله عزّ و جلّ فيبطل عمله لجهله بالتوحيد إذ لو علم يقينا أن لا نافع إلا الله عزّ و جلّ و لا ضار و لا معطي و لا مانع إلا إياه خلص له توحيد من الشرك فخلص له عمله من الرياء. و كذلك الرياء مأخوذ من رأي العين فالسمعة هي بمعناه. و في الخبر: لا يقبل الله عزّ و جلّ من مسمع و لا مراء. و في خبر آخر: من سمع سمع الله به و من راءى راءى الله به و صغره و حقره. فأما من كانت له نية صالحة في أن يسمع أخاه كلام الله ليتعظ به و يتدبره أو ينتفع باستماعه و يتذكر به فليس داخلا في السمعة لوجود حسن النية و صحة القصد و لفقد اقتران الآفة لإرادة طمع عاجل من مدح أو غرض دنيا. كما قال أبو موسى لرسول الله صلّى الله عليه و سلّم: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا. فلم ينكر عليه لأنه ذو نية في الخير و حسن قصد به. و قال الآخر الذي رفع صوته بالآية أسمع الله عزّ و جلّ و لا تسمعني فأنكر عليه لما شهد السمعة فيه. و قد روينا أنه صلّى الله عليه و سلّم مرّ برجل يظهر التأوّه و الوجل فقال: من كان معه يا رسول الله؟ أتر؟؟؟ فقال: لا بل أوّاه منيب و اعلم أن الأكل و النوم على السلامة و الصدق أفضل في