قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٨ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
القلب لمتان، لمة من الملك إيعاد بالخير و تصديق بالحق و لمة من العدوّ إيعاد بالشر و تكذيب بالحق و نهي عن الخير. و روينا عن الحسن رحمه الله أنه قال: هما همان يجولان في القلب همّ من الله تعالى و همّ من عدوّه فرحم الله عبدا وقف عند همه فما كان الله أمضاه و ما كان عدوّه يجاهد. و قال مجاهد في قوله تعالى: من شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [الناس: ٤] قال: هو منبسط على قلب الإنسان. فإذا ذكر الله تعالى خنس و انقبض و إذا غفل انبسط على قلبه و قال عكرمة الوسواس محله في الرجل في فؤاده و عينيه و محله في المرأة في عينيها إذا أقبلت و في عجيزتها إذا أدبرت. و قال جرير بن عبدة العدوي: شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في صدري من الوسوسة فقال: إنما مثل ذلك النقب الذي تمر به اللصوص فإن كان فيه شيء عالجوه و إلا مضوا و تركوه. و قد روى أبو صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم. قال: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة فإن هو نزع و استغفر و تاب صقل و إن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي ذكره الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] و روينا عن جعفر بن برقان قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه بذلك نكتة سوداء فإن تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجلوا مثل المرآة ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره، و أما الذي يتتابع في الذنوب كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فلا يزال ينكت في قلبه حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من حيث يأتيه و قد أخبر رسول الله صلّى الله عليه و سلم أن قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر في تقسيمه القلوب. روينا عن أبي سعيد الخدري و أبي كبشة الأنماري و بعضه أيضا عن حذيفة عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم قال: القلوب أربعة، قلب فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، و قلب أسود منكوس فذلك قلب الكافر، و قلب أغلف مربوط على غلافه فذلك قلب المنافق و قلب مصفح فيه إيمان و نفاق فمثل الإيمان فيه مثل البقلة يمدها الماء الطيب و مثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح و الصديد. فأي المدتين غلبت عليه حكم له بها. و في لفظ بعضهم: غلبت عليه ذهبت به. و قال الله تعالى: وَ من أَحْسَنُ من الله [المائدة: ٥٠] و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ من الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١] فأخبر أن جلاء القلوب الذكر به يبصر القلب و أن باب الذكر التقوى به يذكر العبد. فالتقوى باب الآخرة كما أن الهوى باب الدنيا. و أمر الله تعالى بالذكر و أخبر أنه مفتاح التقوى لأنه سبب الاتقاء و هو الاجتناب و الورع فقال تعالى: وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ