قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٠ - الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين
و كثرة النوم. فأما النوم فإن في مداومته طول الغفلة و قلة العقل و نقصان الفطنة و سهوة القلب. و في هذه الأشياء الفوت و في الفوت الحسرة بعد الموت. و روينا عن النبي صلّى الله عليه و سلم قال: قالت أم سليمان بن داود لابنها: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم تترك العبد فقيرا يوم القيامة و قيل كان شبان يتعبدون في بني إسرائيل فكانوا إذا حضر عشاؤهم قام فيهم عالمهم فقال: يا معشر المريدين لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا. و كان بعض السلف يقول: أدنى أحوال المؤمن: الأكل و النوم، و أفضل أحوال المنافق: الأكل و النوم. و قال بعض الناس لفيلسوف من الحكماء: صف لي شيئا أستعمله حتى أكون أنام النهار. فقال: يا هذا ما أضعف عقلك إن نصف عمرك نوم و النوم من الموت. تريد أن تجعل ثلاثة أرباعه نوما و ربعه حياة؟ قال: و كيف؟ قال: أنت إذا عشت أربعين سنة فإنما هي عشرون سنة أ فتريد أن تجعلها عشر سنين؟ و أما كثرة الكلام فإن فيه قلة الورع و عدم التقوى و طول الحساب و كثرة المطالبين و تعلق المظلومين و كثرة الأشهاد من الأملاك المكاتبين و دوام الإعراض من الملك الكريم، لأن الكلام مفتاح كبائر اللسان، فيه الكذب و الغيبة و النميمة و البهتان، و فيه شهادة الزور، و فيه قذف المحصن و الافتراء على الله تعالى و الإيمان، و فيه القول فيما لا يعني و الخوض فيما لا ينفع. و قد جاء في الخبر: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه و أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا فيما لا يعنيه. و في اللسان التزين و التصنع للخلق و التحريف و الإحالة لمعاني الصدق، و فيه المداهنة و المواراة و التملق لأهل الأهواء و في اجتماع هذا على العبد شتات قلبه و في شتاته تفريق همه، و في تفريق همه سقوطه من مقام المقربين. و في وصية ابن عباس لمجاهد لا تمارينّ حليما و لا سفيها فإن الحليم يقلاك و إن السفيه يؤذيك. و في الخبر: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها أبعد ما بين السماء و الأرض. و في لفظ آخر ليتكلم بها فيهوي في جهنم سبعين خريفا. و قال لقمان لابنه: لأن تعيش أخرس يسيل لعابك على صدرك خير لك من أن تنطق في نادي القوم بما لا يعنيك. و في خبر: من افتتح بكلمة سوء ثم خاض الناس في مثلها كان عليه مثل أوزارهم. و في الخبر: لا يأتي بخبر السوء إلا رجل السوء. و حدثونا عن إبراهيم بن أدهم أنه كان إذا صحبه رجل فجاء بخبر سوء فارقه. و روينا في الحديث: من حدث بما سمعت أذناه و رأت عيناه كتبه الله تعالى من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. و روينا عن علي رضي الله عنه: مذيع الفاحشة في الناس كفاعلها. و في الخبر: إن بعض فقراء أهل الصفة استشهد في سبيل الله عزّ و جلّ فقالت أمه: هنيئا لك في الجنة