قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٠ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
ثلاث. قال: و ما هي؟ قال: قد تجسست و قد نهاك الله عزّ و جلّ عن ذلك و تسوّرت و قد قال الله عزّ و جلّ: وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ من ظُهُورِها [البقرة: ١٨٩] و دخلت بغير إذن و قد قال الله عزّ و جلّ: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [النور: ٢٧]. فقال عمر: صدقت فهل أنت غافر لي ذلك فقال: غفر الله لك فخرج عمر و هو يبكي حتى علا نشيجه و هو يقول: ويل لعمر إن لم يغفر الله له. تجد الرجل كان يتخفى بهذا عن ولده و جاره فالآن يقول: رآني أمير المؤمنين و نحو ذلك. و جاء في الخبر: إذا دعي أحدكم إلى طعام فإن كان مفطرا فليجب و إن كان صائما فليقل إني صائم. فأمره بإظهار عمله و هو يعلم أن الإخفاء أفضل و لكن إظهار عمله من حيث لا يؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه لتفضيل المؤمن و حرمته على الأعمال إذ الأعمال موقوفة على العامل و إنما يعطى الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء على غيره في العمل الواحد فدل ذلك أن المؤمن أفضل من العمل فقيل له: ارفع التأثير و الكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك فهو خير لك من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه و لم تعتذر إليه عذرا بيّنا يقبله منك و يعرفه شق عليه إن كان صادقا في دعائك. و بمعنى هذا من خفي الأعمال ما يحكى عن بعض السلف أنه كان يكون في الجماعة فيقرأ في نفسه سرّا لئلا يطلع على أعماله أحد فإذا مرّ بآية فيها سجدة سجد بين الملإ فكنا نعرف بسجوده أنه يقرأ فلعل فارغا قليل الفقه يقول: إن هذا قد أظهر عمله إذ فعل ما يدل عليه فلو ترك السجود ليخفي عمله كان أفضل لأنه قد أظهر ما أخفاه فهذا يدل على جهله بالمعاملة. و قد سمعت بعض العلماء يطعن على هذا بفعله بمعنى ما ذكرناه من القول و هكذا يكون علم المريدين القصيرين العلم و ليس الأمر كما قدره هذا المنكر بسجوده بل القائل المنكر لفعله قليل الفقه بدقائق الإخلاص جاهل بطريقة العاملين من العارفين و العامل الذي نقل عنه هذا الفعل فقيه مخلص و ذلك لأنه قد حاز الفضلين معا لأنه كان فاضلا فيما أخفى إذ ابتدأ عمله بالخفية فلما جاء السجود الذي لا يكون إلا ظاهرا لم يصلح أن يترك قربة إلى الله عزّ و جلّ من أجل الناس فكان يسجد كما أمر به و يقرأ كما ندب إليه فصار فاضلا في الحال الثاني لأنه أظهر لأجل الله عزّ و جلّ كما أخفى لأجله و لأنه ترك مراقبة الناس و لم يترك عمله لأجلهم و لو كان الفضل في ترك السجود لإخفاء العمل كان الأفضل لمن دخل عليه في منزله و هو يصلي أن يقعد لأجلهم. و قد وردت السنة في ذلك أن له أجرين: أجر السر و أجر العلانية. كيف و قد كانوا