إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٣٦ - كلام معاوية في شأنه عليه السلام
و قال أيضا في ص ٩٨:
و ساق إليهم الحتف لحري أن يمقته الأقرب و لا يأمنه الأبعد».
و طفق ابن العاص ينعته بين أهل الشام بالهزل و الدعابة و يأمر بسبه على المنابر حتى وجب رده و إدحاض زعمه، فقال رضي اللّه عنه في بعض خطبه: عجبا لابن النابغة! يزعم لأهل الشام أن في دعابة و أني امرؤ تلعابة: أعانس و أمارس لقد قال باطلا آثما، أما- و شر القول الكذب- إنه ليقول فيكذب، و يعد فيخلف، و يسأل فيبخل، و يخون العهد و يقطع الإل، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر و آمر هو ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القوم سبته، أما و اللّه إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت، و إنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة، إنه لم يبايع معاوية حتى شرط أن يؤتيه آتية و يرضخ له على ترك الدين رضيخة.
و كذلك كان يجبه معاوية و غيره بنظائر هذه الكلمات حين يجترئون عليه بما يغض من حقه و يقدح في دعوته، فلا يشذ عن ديدن الفرسان في روية فكره و لا في بوادر لسانه، و لكن الفلتات التي من هذا القبيل الشيء و اتخاذ السباب صناعة دائمة و سلاحا مشهورا و سبيلا إلى القول الباطل شيء آخر.
و لقد كانت للإمام رضي اللّه عنه شواغل أخرى غير الفروسية تجري في مجراها حينا و تبدو غريبة عنها حينا آخر في عرف بعض الناقدين، و منها التفقه و النزوع إلى «التصوف» و استنباط حقائق الأشياء.
فهذه في عرف بعض الناقدين ليست من مزاج الفروسية على ظاهر ما قدروه و لكن ما التصوف أو التجرد للحقيقة؟ أليس هو في معدنه جهادا في الحق أو جهادا في اللّه أ ليست طبيعة الجهاد و طبيعة الفروسية من معدن واحد؟ ألم نعهد في كل ملة و كل زمان فئات من الناس يجاهدون لأنهم متدينون متنطسون، أو يتدينون و يتنطسون لأنهم مجاهدون؟ فالإمام علي رضي اللّه عنه فارس لا يخرجه من الفروسية فقه الدين بل هو أحرى أن يسلكه فيها، و لا يخرجه من الفروسية بعض المقال في خصومه بل هي بوادر الفرسان بعينها، و لا تزال آداب الفروسية بشتى عوارضها هي المفتاح الذي يدار في كل باب من أبواب هذه النفس، فإذا هو منكشف للناظر عما يليه.