إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٣٤ - كلام معاوية في شأنه عليه السلام
فقاتلتنا قبل أن نقاتلك و بدأتنا، و نحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك و نحتج عليك، و هذه أخرى قد فعلتموها إذ حلتم بين الناس و بين الماء، و الناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس و بين الماء و يكفوا حتى ننظر فيما بيننا و بينكم و فيما قدمنا له و قدمتم له ...
ثم قال راوي الخبر ما معناه: ان معاوية سأل أصحابه فأشاروا عليه أن يحول بين علي و بين المورد غير حافل بدعوته إلى السلم و لا بدعوته إلى المفاوضة في أمر الخلاف، فأنفذ معاوية مددا إلى حراس المورد يحمونه و يصدون من يقترب منه، ثم كان بين العسكرين تراشق بالنبل فطعن بالرماح فضرب بالسيوف حتى اقتحم أصحاب علي طريق الماء و ملكوه، و هنا الفرصة الكبرى لو شاء علي أن يهتبلها، و أن يغلب أعداءه بالظمإ كما أرادوا أن يغلبوه به قبيل ساعة .. و قد جاء أصحابه يقولون: و اللّه لا نسقيهموه، فكأنما كان هو سفير معاوية و جنده إليهم يتشفع لهم و يستلين قلوبهم من أجلهم، و صاح بهم: «خذوا من الماء حاجتكم و ارجعوا إلى عسكركم و خلوا عنهم، فإن اللّه عز و جل قد نصركم عليهم بظلمهم و بغيهم».
و لاحت له فرصة قبل هذه الفرصة في حرب أهل البصرة، فأبى أن يهتبلها و أغضب أعوانه إنصافا لأعدائه،
لأنه نهاهم أن يسلبوا المال و يستبيحوا السبي و هو في رأيهم حلال، قالوا: أ تراه يحل لنا دماءهم و يحرم علينا أموالهم؟ فقال: «إنما القوم أمثالكم، من صفح عنا فهو منا و نحن منه، و من لج حتى يصاب فقتاله مني على الصدر و النحر».
و سن لهم سنة الفروسية أو سنة النخوة حين أوصاهم ألا يقتلوا مدبرا و لا يجهزوا على جريح و لا يكشفوا سترا و لا يمدوا يدا إلى مال، و من الفرص التي أبت عليه النخوة أن يهتبلها فرصة عمرو بن العاص و هو ملقى على الأرض مكشوف السوأة لا يبالي أن يدفع عنه الموت بما حضره من وقاء.
فصدف بوجهه عنه آنفا أن يصرع رجلا يخاف الموت هذه المخافة التي لا يرضاها من منازله في مجال صراع. و لو غير علي أتيح له أن يقضي على عمرو لعلم أنه