إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٩٥
لذلك من أسباب، أما ما كان من أمر عثمان فقد بينا أسبابه فيما مضى و أما أمر علي فإنا سنجيب عنه الآن ببيان ما كان من خلق علي و ما كان من الظروف التي أحاطت به.
كان علي ممتازا بخصال قلما اجتمعت لغيره و هي: الشجاعة- الفقه- الفصاحة.
فأما الشجاعة فقد كان محله منها لا يجهل، وقف المواقف المعهودة و خاض عمرات الموت لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، و أول ما عرف من شجاعته بياته موضع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ليلة الهجرة و هو يعلم أن قوما يتراصدونه حتى إذا خرج يقتلونه، فلم يكن ذلك مما يضعف قلبه أو يؤثر في نفسه ثم في بدر و ما بعدها من المشاهد كان علما لا يخفى مكانه ببارز الأقران فلا يقفون له و يفرق الجماعات بشدة هجماته، و قد آتاه اللّه من قوة العضل و ثبات الجنان القسط الأوفر، أغمد سيفه مدة أربع و عشرين سنة حتى إذا جاءت خلافته جرده على مخالفيه فعمل به الأفاعيل و كان الناس يهابون منازلته و يخشون مبارزته لما يعلمون من شدة صولته و قوة ضربته.
و أما الفقه فلم يكن مقامه فيه بالمجهول صحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم منذ صبوته و أخذ عنه القرآن و كان يكتب له مع ما أوتيه من ذكاء بني عبد مناف ثم بني هاشم و لم يزل معه إلى أن توفى عليه السلام، كل هذا أكسبه قوة في استنباط الأحكام الدينية فكان الخلفاء أبو بكر و عمر و عثمان يستشيرونه في الأحكام و يرجعون إلى رأيه إذا خالفهم في بعض الأحيان، و أكثر من عرف ذلك عنه عمر بن الخطاب.
و أما الفصاحة فيعرف مقداره فيها من خطبه و مكاتباته التي جمع منها السيد المرتضى جملة عظيمة في الكتاب الموسوم بنهج البلاغة و قد وصفه شارحه الأستاذ الشيخ محمد عبده بقوله- فذكر نبذة من أقواله.
و منهم الفاضل المعاصر عبد الوهاب النجار في «الخلفاء الراشدون» (ص ٤٧٥ ط