إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٣٣ - كلام معاوية في شأنه عليه السلام
الشبهات، و ما من رجل تتعسف المطامع أسباب الطعن فيه ثم تنفذ منه إلى صميم.
مفتاح شخصيته «آداب الفروسية» هي مفتاح هذه الشخصية النبيلة الذي يفض منها كل مغلق و يفسر منها كل ما احتاج إلى تفسير.
و آداب الفروسية هي تلك الآداب التي نلخصها في كلمة واحدة و هي: النخوة، و قد كانت النخوة طبعا في علي فطر عليه، و أدبا من آداب الأسرة الهاشمية نشأ فيه، و عادة من عادات «الفروسية» العلمية التي يتعودها كل فارس شجاع متغلب على الأقران، و إن لم يطبع عليها و ينشأ في حجرها، لأن للغلبة في الشجاع انفه تأبى عليه أن يسف إلى ما يخجله و يشينه، و لا تزال به حتى تعلمه النخوة تعلما، و تمنعه أن يعمل في السر ما يزري به في العلانية.
و هكذا كان علي رضي اللّه عنه في جميع أحواله و أعماله: بلغت به نخوة الفروسية غايتها المثلى، و لا سيما في معاملة الضعفاء من الرجال و النساء، فلم ينس الشرف قط ليغتنم الفرصة، و لم يساوره الريب قط في الشرف، و الحق إنهما قائمان دائمان كأنهما مودعان في طبائع الأشياء. فإذا صنع ما وجب عليه فلينس من شاءوا ما وجب عليهم، و إن أفادوا كثيرا و باء هو بالخسار.
أصاب المقتل من عدوه مرات فلم يهتبل الفرصة السانحة بين يديه، لأنه أراد أن يغلب عدوه غلبة الرجل الشجاع الشريف، و لم يرد أن يغلبه أو يقتص منه كيفما كان سبيل الغلب و القصاص.
قال بعض من شهدوا معركة صفين: لما قدمنا على معاوية و أهل الشام بصفين وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه مستويا بساطا واسعا و أخذوا الشريعة- أى مورد الماء- فهي في أيديهم .. و قد أجمعوا على أن يمنعونا الماء. ففزعنا إلى أمير المؤمنين فخبرناه بذلك، فدعا صعصعة بن صوحان فقال له: ائت معاوية و قل له إنا سرنا مسيرنا هذا إليكم و نحن نكره قتالكم قبل الاعذار إليكم، و انك قدمت إلينا خيلك و رجلك