إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٦٠٠
إلا أن تحبه، ركب اللّه في طبعه النبل منذ الحداثة، و تجلى في خلاله الكرم طوال عمره، ثم طبعه على العمل و نفاذ الهمة و صراحة البأس، و آتاه سر الفروسية و جرأة الليث، و كل أولئك في رقة قلب و صدق إيمان و كرم فعال يليق بالفروسية المسيحية، ثم سار علي في خصومته و خلافته و سياسته على ضوء هذه الأخلاق، فما قارف الأثرة، و لا حاول الفرقة، و لا راقب الفرصة، و لا أثار العصبية، و لا استخدم المال، و إنما أخلص النية للعمرين، و محض النصيحة لعثمان، و أعذر بالحجة لمعاوية. و لكن دنيا الفتوح كانت قد أخذت على عهده تتجاهل دين البساطة و الزهد، و لم تعد السياسة الدينية وحدها قادرة على كبح النفوس المفتونة بمال معاوية في الشام، و ثراء الرافدين في العراق، فانتشر أمره و انصدعت خلافته، ثم قتل مظلوما في محرابه، فكان محياه و مماته تاريخا داميا للفضيلة المعذبة و النفس المطمئنة الشهيدة. ثم ورث بنيه و أهليه ذلك العزم الثائر و هذا المجد الثائر، فدب الموت للحسن سرا في كأس مذعوفة، و قتل الحسين قتلة لا يزال يرعد من هولها الدهر.
و تلاحقت الفواجع الأموية فصرع زيد و قتل يحيى، و افتنت المنايا الرواصد في اختلاج بني علي، و هم يقابلون هول الغوائل الظاهرة و الباطنة بالشجاعة و الصبر و الاحتساب، حتى أسفرت حول وجوههم طفاوة من التنزيه و التقديس و تخللت محبتهم قلوب المسلمين، و لا سيما الشيعة، فإن ندمهم على خذلانهم إياهم، و ألمهم لما رأوا من اضطهادهم و أذاهم، رفعا في نفوسهم ذلك الحب.
إلى أن قال في ص ١٨٦:
كان علي كرم اللّه وجهه قوي العضل، صادق البأس، شجاع القلب لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه. و كان حجة في الفقه، قدوة في الورع، شديد الشكيمة في الحق، قوي الثقة بالنفس، لا يعرف الهوادة في الدين و لا المرونة في