إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٩١
أما الحديث عن زهد علي فيوضحه
أنه عاش عمره فقيرا اقتداء بسيد البشر، و كانت زوجته السيدة فاطمة تطحن القمح بيدها حتى كلت هذه اليد، و تحمل القربة حتى أثرت في نحرها، و كنست البيت حتى أغبرت ثيابها، و لما قص علي على الرسول ألم ابنته من الطحن و حمل القربة، و أعمال المنزل، و أنها تحتاج خادما يقيها عناء ما تلاقي، التفت لها الرسول و قال: يا فاطمة اتقى اللّه و أدي فريضة ربك، و اعملي عمل أهلك، و يروى أنه نزلت في زهد علي و رغبته في العطاء الآية الكريمة:وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.
أما بطولة علي فكانت مضرب المثل، و قد صارع علي أبطال الشرك و صرعهم، و من أعتى هؤلاء عمرو بن ود الذي ضربه ضربة قاضية في غزوة الخندق. و مما يدل على بطولته و حبه للّه و رسوله ما
رواه البخاري من أن الرسول قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية رجلا يحب اللّه و رسوله يفتح اللّه على يديه. قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. فتساورت (تطلعت) للرسول رجاء أن أدعى لها، و لكن الرسول دعا علي بن أبي طالب و أعطاه الراية.
و فصاحة علي مضرب المثل، فقد رويت عنه نصائح غراء لولاته عند ما آلت له الخلافة، و هي نصائح تحمل البلاغة و قوة البيان من جانب، كما توضح من جانب آخر أنه في مجال الفكر و الخلق كان إنسانا مثاليا،
إنه القائل: أطلق عن الناس عقدة كل حقد، و تغاب عن كل ما لا يصح لك، و لا تعجلن إلى تصديق ساع، فإن الساعي غاش و إن تشبه بالناصحين، و لا تدخل في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الإحسان و يخوفك الفقر، و لا جبانا يضعفك عن الأمور، و لا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل و الجبن و الحرص غرائز شتى يجمعها سواء الظن باللّه، و الصق بأهل الورع و الصدق، ثم رضهم (عودهم) على ألا يطروك، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو، و إياك و الإعجاب بنفسك، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان يمحق به ما يكون من إحسان المحسنين، و إياك و المن على رعيتك بإحسانك فإن