إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٣٥ - كلام معاوية في شأنه عليه السلام
قاض على جرثومة عداء و دهاء فلم يبال أن يصيبه حيث ظفر به، و لا جناح عليه.
لقد كان رضاه من الآداب في الحرب و السلم رضا الفروسية العزيزة من جميع آدابها و مأثوراتها.
فكان يعرف العدو عدوا حيثما رفع السيف لقتاله و لكنه لا يعادي امرأة و لا رجلا موليا و لا جريحا عاجزا عن نضال، و لا ميتا ذهبت حياته و لو ذهبت في سبيل حربه بل لعله يذكر له ماضيه يومئذ فيقف على قبره ليبكيه و يصلي عليه.
و هذه الفروسية هي التي بغضت إليه أن ينال أعداءه بالسباب و ليس من دأب الفارس أن ينال أعداءه بغير الحسام.
فلما سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حروبهم بصفين قال لهم: «إني أكره أن تكونوا سبابين، و لكنكم لو وصفتم أعمالهم و ذكرتم حالهم كان أصوب في القول، و أبلغ في العذر، و قلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا و دماءهم، و أصلح ذات بيننا و بينهم، و اهدهم من ضلالهم حتى يعرف الحق من جهله، و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به».
و ربما شذ عن سنته هذه في بعض الأحايين، فإذا به لا يشذ عنها إلا كما يشذ الفرسان حين تغلبهم بوادر اللسان، فندر بين رجال السيف من يسمع الكلمة المغضبة فلا ينطق لسانه بكلمة عوراء يجاري بها غضبه الذي طبع على إبدائه و لم يطبع على كتمانه.
و من قبيل هذا كلمات قالها علي في ابن العاص و في معاوية و في الأشعث بن قيس و غير هؤلاء، و لكنه لم يجعلها ديدنا له كما سبوه على المنابر و أشاعوا مذمته بين أهل الأمصار.
شغب عليه الأشعث بن قيس و مرد عليه الجند و أفشى بين أنصاره الفتنة و قاطعه مرة و هو يخطب على منبر الكوفة فأغضبه و هاج غيظه فبدره بقوله: «عليك لعنة اللّه و لعنة اللاعنين: حائك بن حائك، منافق ابن كافر، و اللّه لقد أسرك الكفر مرة و الإسلام أخرى، فما فداك من واحدة منهما مالك و لا حسبك، و إن امرأ ولي على قومه السيف