إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٣١ - كلام معاوية في شأنه عليه السلام
و الإساءة لما تختف معالمها، و لو أنك تركت ذلك كله إلى سجاحة الأخلاق و بشر الوجه و طلاقة المحيا، لرأيت أنه المضروب به المثل في كل ذلك حتى عابه به أعداؤه، فقال عمرو بن العاص لأهل الشام: إنه ذو دعابة شديدة.
و قال الفاضل المعاصر الأستاذ عباس محمود العقاد في «المجموعة الكاملة- العبقريات الإسلامية» (ج ٢ ص ٢٧ ط دار الكتاب اللبناني- بيروت) بعد بيان زهده الشديد في الدنيا:
و على هذا الزهد الشديد كان علي رضي اللّه عنه أبعد الناس من كزازة طبع و ضيق خطيرة و جفاء عشرة، بل كانت فيه سماحة يتبسط فيها حتى يقال دعابة، و روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال له: «للّه أبوك لو لا دعابة فيك» و إنه قال لمن سألوه في الاستخلاف: «ما أظن إلا أن يلي أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، و إن ولي علي ففيه دعابة، و أحر به أن يحملهم على الطريق».
و أغرق ابن العاص في وصف الدعابة فسماها «دعابة شديدة» و طفق يرددها بين أهل الشام ليقدح بها في صلاح الإمام للخلافة، و إنما نقول أن ابن العاص أغرق في هذا الوصف، و إن الدعابة المعيبة لم تكن قط من صفاته، لأن تاريخ علي و أقواله و نوادره مع صحبه و أعدائه محفوظة لدينا لا نرى فيها دليلا على خلق الدعابة فضلا عن الدليل على الإفراط فيه، فإن كان لهذا الوصف أثر أجاز لعمر بن الخطاب أن يذكره فربما كان مرجع ذلك أن عليا خلا من الشغل الشاغل سنين عدة، فأعفاه الشغل الشاغل من صرامته و أسلمه حينا إلى سماحته و أحاديث صحبه و مريديه فحسبت هذه الدعاة من الدعابة البريئة ثم بالغ فيها المبالغون، و لم يثبتوها بقصة واحدة أو شاردة واحدة تجيز لهم ما تقولونه.
و قد كانت للإمام صفات و مزايا فكرية تناصي المشهور المتفق عليه من صفاته النفسية و مزاياه الخلقية. فاتفق خصومه و أنصاره على بلاغته، و اتفقوا على علمه و فطنته، و تفرقوا فيما عدا ذلك من رأيه في علاج الأمور و دهائه في سياسة الرجال.