إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٦٠٥
يحيى، أنا أبو علي الرماني، ثنا ابن الحصين، أنا ابن المذهب، أنا أبو بكر بن حمدان، أنا عبد اللّه، حدثني أبي، ثنا ابن نمير، عن أبي عبد الرحيم الكندي، عن زاذان بن عمر، قال: سمعت عليا في الرحبة و هو ينشد الناس: من شهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوم غدير خم و هو يقول ما قال؟ فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه.
و روينا عن أبي عمر بن عبد البر رحمه اللّه، قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد بن يوسف، ثنا يحيى بن مالك بن عائذ، ثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة البغدادي بمصر، ثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، ثنا العكلي، عن الحرمازي، عن رجل من همدان، قال: قال معاوية لضرار الصدائي: يا ضرار صف لي عليا، قال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه. قال: أما إذ لا بد من وصفه فكان و اللّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، و يحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا و زهرتها، و يستأنس بالليل و وحشته، و كان غزير الدمعة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، و من الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، و ينبئنا إذا استنبأناه، و نحن و اللّه مع تقريبه إيانا و قربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له.
يعظم أهل الدين، و يقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، و لا ييأس الضعيف من عدله. و أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، و قد أرخى الليل سدوله، و غارت نجومه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول: يا دنيا غري غيري، إلي تعرضت أم إلي تشوفت؟ هيهات هيهات! قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير و خطرك حقير. آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق.
فبكى معاوية و قال: رحم اللّه أبا الحسن، كان و اللّه كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها.