إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٣٢ - كلام معاوية في شأنه عليه السلام
و الحق الذي لا مراء فيه إنه كان على نصيب من الفطنة النافذة لا ينكره منصف، و إنه أشار على عمر و عثمان أحسن المشورة في مشكلات الحكم و القضاء، و إنه كان أشبه الخلفاء بالباحثين و المنقبين أصحاب الحكمة و مذاهب التفكير، و عنه أخذ الحكماء الذين شرعوا علم الكلام قبل أن يتطرق إليه علم فارس أو علم يونان، و كان يفهم أخلاق الناس فهم العالم المراقب لخفايا الصدور و يشرحها في عظاته و خطبه شرح الأديب اللبيب.
إلى هنا متفق عليه لا يكثر فيه الخلاف، ثم يفترق الناس في رأيه رأيين و إن لم يكونوا من الشانئين المتحزبين، فيقول أناس إنه كان على قسط وافر من الفهم و المشورة، و لكنه عند العمل لا يرى ما تقضي به الساعة الحازبة و لا ينتفع بما يراه، و يقول أناس بل هو الاضطرار و التحرج يقيدانه و لا يقيدان أعداءه و إنهم لدونه في الفطنة و السداد. و هو رضي اللّه عنه قد اعتذر لنفسه بمشابه من هذا العذر حين قال:
«و اللّه ما معاوية بأدهى مني، و لكنه يغدر و يفجر، و لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس».
أما مقطع الرأي بين الرأيين فنرجو أن نفصله في مواضعه من الفصول التالية مشفوعا بمناسباته، و لكننا نستطيع أن نجزم هنا بحقيقتين تجملان ما نبسطه في مواضعه من الكتاب، و لا نحسبهما تتسعان لجدل طويل، و هما أن أحدا لم يثبت قط أن العمل بالآراء الأخرى كان أجدى و أنجع في فض المشكلات من العمل برأي الإمام، و إن أحدا لم يثبت قط أن خصوم الإمام كانوا يصرفون الأمور خيرا من تصريفه، لو وضعوا في موضعه و اصطلحت عليهم المتاعب التي اصطلحت عليه، و كلتا الحقيقتين حرية أن تضبط لسان الميزان قبل أن يميل فيغلو به الميل هنا أو هناك، هذه صفات تنتظم في نسق موصول: رجل شجاع لأنه قوي، و صادق لأنه شجاع، و زاهد مستقيم لأنه صادق، و مثار للخلاف لأن الصدق لا يدور بصاحبه مع الرضا و السخط و القبول و النفور، و أصدق الشهادات لهذا الرجل الصادق أن الناس قد أثبتوا له في حياته أجمل صفاته المثلى، فلم يختلفوا على شيء منها إلا الذي اصطدم بالمطامع و تفرقت حوله