إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٦٤ - مستدرك إن الأمير عليه السلام كان ميبا في قتاله و الذين قاتلوه كانوا بغاة ظالمين
عن الزحف.
يا لقدرة معاوية على أن يطيش أحلام الرجال بوعود الجاه و الثراء و السلطان و إن لديه من المال ما يمكنه من شراء من يلين: فله خراج الشام كله ملكا خالصا لا يؤدي منه لبيت المال درهما واحدا.
أما الإمام علي فما عساه يملك. إنه لا يملك غير العدل في القسمة بين الناس. ما يملك إلا التقوى، و ما عساها تجدي مع الرجال الذين يصطنعهم معاوية، من الذين قال عنهم هو نفسه: إنهم لا يعرفون غير المال. ما عسى أن تجدى التقوى إذا أصبحت ضمائر بعض الرجال تشترى و تباع، و تستخدم، و تزيف باسم المقدسات.
و لكن سقوط هذا الرجل أو ذاك، لم يكن ليزيد الآخرين إلا ارتفاعا على الدنايا، في الحق أن سقوط رجل ما أو قبيلة ما تحت إغراء ما يعرضه معاوية من مال و مناصب و جاه كان يوجع قلب الإمام، و لكن الإمام كان على الرغم من كل شيء يؤمن بأنه من الخير له أن يتخفف من الذين تعربد رءوسهم الأطماع و أحلام الغنى و الأباطيل. إنه لمع الحق، و إن أوحشت طرقه، و قل نصيره، و كفى باللّه نصيرا.
و كان المتأمل في جند الإمام و جند معاوية يرى عجبا. فأغلب جند الإمام صفر الوجوه من القيام، و على الجباه علامات من أثر السجود، ثيابهم خشنة، و لكن وجوههم على الرغم من كل شيء تضيء بالثقة، يسعى نورهم بين أيديهم إلا قليلا.
فإذا وقف الإمام ينظمهم في صفوف، و يأمرهم أن يصطفوا كالبنيان المرصوص، حاوروه حتى يقتنعوا، و حتى يفقهوا معنى ما يتلوه عليهم:إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ. و حينئذ يغرسون أقدامهم في الأرض بثبات.
أما جند معاوية، فكانت ملابسهم فاخرة، جاءوا إلى القتال في أحسن زينة، و ما كان معاوية في حاجة إلى أن يكلمهم فالإشارة تغنيه عن العبارة.
وقف عمرو بن العاص ينظر إلى جند معاوية و جند علي و يقارن بين الحالين،