المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٦١ - باب الألف
فيختار الأشياء الممكنة، و تقع إرادته على أشياء غير ممكنة، مثل ان الانسان يهوى ان لا يموت. و الارادة أعم من الاختيار، فان كلّ اختيار إرادة، و ليس كل إرادة اختيارا». (الفارابي، رسالة المعلم الثاني في جواب مسائل سئل عنها، ص ٩٨). و أصل الاختيار افتعال من الخير. و لذا قيل الاختيار ترجيح الشيء و تخصيصه و تقديمه على غيره، و هو أخص من الارادة و المشيئة. (ر: لفظ الاختيار).
نعم قد يستعمل المتكلمون الاختيار بمعنى الارادة أيضا حيث يقولون:
فاعل بالاختيار و فاعل مختار، و لكن الاختيار لم يرد بمعنى الارادة في اللغة.
و فرقوا أيضا بين الارادة و الشهوة، فقالوا إن الانسان قد يريد شرب دواء كريه، فيشربه، و لا يشتهيه، بل ينفر عنه، و قد يشتهي ما لا يريده، بل يكرهه، و لهذا قالوا إرادة المعاصي مما يؤاخذ عليها، دون شهوتها.
و فرقوا أخيرا بين الإرادة و المشيئة فقالوا: الارادة طلب الشيء، و المشيئة الايجاد، و لكن المشيئة في الأصل مأخوذة من الشيء و هو اسم للموجود، و كذلك الارادة فهي تقتضي الوجود لا محالة. فلا فرق إذن بين الإرادة و المشيئة إلا بالنسبة الى الإنسان، لأن إرادة الانسان قد تحصل من غير أن تتقدمها إرادة اللّه، و مشيئته لا تكون إلا بعد مشيئته. أما بالنسبة الى اللّه فان الإرادة و المشيئة بمعنى واحد.
(ر: مقالنا في الارادة، دائرة المعارف، المجلد ٨: بيروت ١٩٦٩) ١١- و الارادة إذا استعملت في اللّه دلت على معنى سلبي، و هو أنه تعالى غير مغلوب و لا مستكره، أو على معنى ثبوتي، و هو العلم، أو صفة زائدة على العلم. و الفلاسفة، الذين يقولون ان إرادة اللّه ليست صفة زائدة على ذاته، يقررون ان ارادته عين حكمته، و حكمته عين علمه.
و الارادة حقيقة واحدة قديمة قائمة بذاته تعالى، إذ لو تعددت إرادة الفاعل المختار لم يكن واحدا من جميع الجهات. و قد قال الحكماء:
إن إرادته تعالى هي علمه بجميع الموجودات من الأزل الى الأبد، و بأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الاكمل، و بكيفية صدوره عنه حتى يكون الموجود على وفق المعلوم في أحسن نظام من غير قصد و لا شوق، و يسمون هذا العلم عناية. و هذا كله يدل على