المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٤٤٤ - باب الحاء
من اللواحق الحسية، و التغيرات الجزئية، و يرتقيان إلى أحكام كلية، و قضايا عقلية عامة. و إذا كان العلم الطبيعي ينحو منحى الرياضيات في هذا التجريد العقلي، فمرد ذلك إلى أن المعقولية الرياضية، و المعقولية الفيزيائية، شيء واحد.
٣- و الحتمية بالمعنى الفلسفي مذهب من يرى ان جميع حوادث العالم، و بخاصة أفعال الإنسان، مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا محكما.
فإذا كانت الأشياء على حالة ما في لحظة معينة من الزمان، لم يكن لها في اللحظات السابقة، أو اللاحقة، إلّا حالة واحدة تلائم حالتها في تلك اللحظة المعينة. و أصحاب هذا المذهب يرون ان لهذا العالم نظاما كليا دائما لا يشذ عنه في الزمان و المكان شيء، و ان كل شيء فيه ضروري، و انه من المحال أن يكون اطّراد الأشياء ناشئا عن المصادفة و الاتفاق، بل الطبيعة في نظرهم مبرأة من كل إمكان خاص، و جواز عام، ليس فيها ابتداء مطلق، و لا علة أولى، و لا طفرة، و لا معجزة.
٤- و الفرق بين الحتمية و الجبرية)Fatalisme( أنّ ضرورة حدوث الأشياء عند الجبريين ضرورة متعالية، متعلقة بمبدإ أعلى منها يسيّرها كما يشاء، و هو قضاء اللّه و قدره، على حين أن هذه الضرورة في نظر الحتميين كامنة في الأشياء، سارية فيها، و هي الطبيعة بعينها.
٥- و إذا كان بعض الفلاسفة الحتميين يثبتون الحرية الإنسانية، فمرد ذلك إلى محاولتهم التوفيق بين حتمية الحوادث النفسية، و تلقائية الموجود العاقل، و لكن اطلاق اسم الحرية على هذا النوع من التلقائية، أو الطوعية، لا يخلو من الالتباس، ذلك لأن الحرية تقال في نظرنا على وجهين: أحدهما سلبي، و الآخر ايجابي، فاذا دلّت على المعنى السلبي، أعني اللاتقيد، و اللاتعين، و اللاضرورة، كانت انكارا للحتمية، و كذلك إذا دلت على المعنى الإيجابي، أعني قدرة الإنسان على خلق أفعاله بنفسه. و إذا كان بعض العلماء المعاصرين يحملون على الحتمية المطلقة حملة شعواء، و يزعمون أن قوانين العلم نسبية أو عرضية اتفاقية، فمردّ ذلك إلى اعتقادهم ان في الطبيعة مجموعات من القوى تستطيع