المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٣٢ - باب الألف
و هو أن كل ما لم يكن مسبوقا بمادة و زمان لم يكن مسبوقا بعدم.
فالابداع هو إذن أن يكون من الشيء وجود لغيره من دون أن يكون مسبوقا بمادة و لا زمان. كالعقل الأول في فلسفة (ابن سينا) فهو يصدر عن واجب الوجود من دون أن يكون صدوره عنه متعلقا بمادة و زمان.
و الإبداع بهذا المعنى أعلى رتبة من التكوين و الإحداث، فإنّ التكوين هو أن يكون من الشيء وجود مادي، و الإحداث أن يكون من الشيء وجود زماني. و كل واحد منهما يقابل الإبداع. فالتكوين يقابله لكونه مسبوقا بالمادة، و الإحداث يقابله ايضا لكونه مسبوقا بالزمان.
و الإبداع أقدم منهما، لأن المادة لا يمكن أن تحصل بالتكوين، و الزمان لا يمكن أن يحصل بالإحداث. إذن التكوين و الإحداث مترتبان على الإبداع، و هو أقرب منهما الى اللّه.
و الرابع: الإبداع الدائم)Continuee Creation( و هو عند الفلاسفة الأصوليين و الديكارتيين الفعل الذي يبقي به اللّه العالم. و هو عين الفعل الذي يخرجه به من العدم الى الوجود.
فالله اذن مبدع و مبق، لأنه إذا قبض جوده بطلت الموجودات كلها دفعة واحدة، و هذا أيضا يقابل التأليف، لأن التأليف باق، و ان أمسك المؤلف تأليفه، أما الابداع فهو ايجاد و ابقاء.
و الفلاسفة الذين يقولون بوحدة الوجود لا يحتاجون الى القول بابداع العالم، و لكن الذين يجعلون اللّه متميزا عن العالم يقولون: ان علاقة احدهما بالآخر لا تعدو ثلاثة احوال.
فإما ان يقال: ان العالم قديم، و ان اللّه عالم بالكل و بالواجب ان يكون عليه الكل حتى يكون على أحسن نظام. و هذا مذهب القائلين بالعناية الالهية كابن سينا و غيره.
و إما ان يقال: ان لقدرة اللّه تأثيرا في مبدأ العالم، من حيث انها تنظم المادة الموجودة سابقا، و ترتبها كما يرتب الصانع صنعه.
و إما ان يقال: ان لها تأثيرا في اخراج العالم، من العدم الى الوجود، و هذا مذهب القائلين بالإبداع. أعني القول: إن اللّه ليس مؤلف نظام الأشياء، و مرتب صورها فحسب، و انما هو مبدع مادتها أيضا. و معنى ذلك ان كل ما لم يكن موجودا، فقد صار بفعل قدرته تعالى موجودا.