المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٢٩٨ - باب التاء
و كل فلسفة تذهب الى القول ان في العالم ترتيبا تصاعديا تخضع فيه الحوادث للتصورات، و التصورات للمبادي فهي فلسفة متعالية، و من قبيل ذلك ايضا القول ان في الوجود علاقات أبدية مستقلة عن اشتباك الحوادث و ارتباطها، مجردة عن شروط الزمان و المكان، متعالية، مسيطرة على كل شيء، ثابتة، لا تتغير، كاملة لا تدثر و لا تبطل.
و مذهب التعالي ضد مذهب الكمون، او البطون الوجودي الذي يؤلّه الحوادث و يجعل عقول العلماء مغموسة في الطبيعة، راضية بالكون على علّانه، مقتنعة به، على تخبطه و تناقضه، و تنافي ظواهره، و تنافرها. و ما دام الكون يجري الى الأمام دون مهادنة، فإن كل لحظة منه تجاوز التي قبلها، و تضيق عليها الخناق، لتكرهها على التبدل أو لتقلبها الى ضدها، و كذلك ما دام الإنسان عاجزا عن إيقاف حركة التطور، و تبديل مجرى التاريخ، فإن حقيقة الشيء في نظره ترجع إلى تحديد مكانه في سلسلة التطور. إن مذهب الكمون الوجودي يسلم بالتطور التاريخي، و السريان الوجودي. أما مذهب التعالي فيحكم عليه و يتعداه، الأول يلقي على الوجود نظرة أفقية تبدو مراحله فيها ممثلة لالتباس الصيرورة و تناقضها، و الثاني يلقي على الوجود نظرة عمودية تجعل الحقائق العالية و المثل المخلدة الثابتة محيطة بالأشياء و ناظمة لها.
و الأعلى)Transcendant( هو الذي يسمو إلى العلاء، حتى يجاوز كل حد معلوم، أو مقام معروف، و هذا السمو لا يقف عند السماء و لا فوق السماء، بل يستمر في الارتقاء الى غير نهاية. فليس الأعلى تابعا لتأثير بعض الأفعال أو الأشياء الخارجية، بل هو أسمى منها، كالعدالة السامية، أو العدالة المثالية، فهي أعلى من العدالة الواقعية، و كالعقاب و الثواب المثاليين اللذين يختلفان تمام الاختلاف عن الثواب و العقاب الوجوديين و الأعلى هو الذي يفوق حدّ الاعتدال و يجاوز المكان الأوسط، تقول هذا الجمال الاسمي، و هذا النظر الأعلى.
و اللّه سبحانه و تعالى هو الأعلى، و له جميع الكمالات، لا يحده شيء، و لا تستطيع العقول المتناهية أن تدرك حقيقته.
و الأعلى أيضا هو المعنى الذي