المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٢٩٤ - باب التاء
و للتطور في الفلسفة الحديثة عدة معان:
الأول هو النمو، و المقصود به ان ينتقل المبدأ الداخلي من حال الكمون إلى حال الظهور، حتى يبلغ نهايته، كمبدإ الحياة الذي ينمو و ينبسط، فيخلق في المادة أطوارا و صورا مختلفة، كالنطفة، و العلقة، و المضغة، و العظام، و العضلات الخ ..
و الثاني هو التبدل التدريجي البطيء بتأثير الظروف الخارجية.
و الثالث هو التبدل الموجه إلى غاية ثابتة على مراحل متعاقبة يمكن تحديدها مسبقا.
و الرابع هو الانتقال من البسيط إلى المركب، و من المتجانس إلى غير المتجانس، أو من الأكثر تجانسا الى الأقل تجانسا. و هو المعنى الذي ذهب إليه (هربت سبنسر) بقوله:
«التطور هو اتمام و اكمال للمادة، مصحوب بتبديد للحركة، تنتقل المادة خلاله من حالة تجانس غير معين، و غير ملتحم، إلى حالة من اللاتجانس المعين و الملتحم، بحيث تخضع الحركة المتبقية فيه لتبديل مواز»Premiers principes ch .XVII فإذا دلّ التطور على نمو الفرد و انتقاله من نقطة الابتداء الوحيدة الخلية إلى سن الرشد الكثيرة الخلايا سمي بالتطور الفردي، و إذا دلّ على تبدل النوع الواحد إلى أنواع كثيرة مختلفة سمي بالتكوين النوعي.
و التطور انما يكون بالتنوع، فالخلية الأم تتكثر بالانقسام، و الخلايا المتولدة منها تتنوع، و تصير ذات أحوال مختلفة و خلق متباينة، و كذلك النوع المتجانس، فهو يتكثر، و تختلف أفراده بعضها عن بعض بتكيفها وفق شروط الوجود شيئا فشيئا. و التنوع يسير و تخصص الوظائف جنبا إلى جنب، و كلما كانت الوظائف أكثر تخصصا كانت اكثر تضامنا.
و كل فيلسوف مؤمن بالتغير و الارتقاء، أو بالتنوع المصحوب بالتكامل، أو باتصال الاكوان، و تبدل الموجودات، و استحالة الأشياء بعضها إلى بعض، فهو فيلسوف تطوري.
إن أكثر العلماء يقولون اليوم إن معنى التطور يتضمن معنى الارتقاء. و لكننا إذا أردنا بالتطور مجرد التبدل لم نضمنه معنى الارتقاء،