المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ١٣ - المقدّمة
للذهن يستنبط به بذاته الحد الأوسط. و الذكاء قوة الحدس، و تارة يحصل بالتعليم، و مبادئ التعليم الحدس. فان الأشياء تنتهي لا محالة الى حدوس استنبطها أرباب تلك الحدوس. ثم أدوها الى المتعلمين. فيمكن أن يكون شخص من الناس مؤيد النفس بشدة الصفاء، و شدة الاتصال بالمبادئ العقلية الى أن يشتعل حدسا، أعني قبولا لإلهام العقل الفعال في كل شيء، فترتسم فيه الصور التي في العقل الفعال من كل شيء، إما دفعة، و إما قريبا من دفعة» [١]. و يقول أيضا في كتاب الإشارات: «و أما الحدس فهو أن يتمثل الحد الأوسط في الذهن دفعة، إما عقيب طلب و شوق من غير حركة، و إما من غير اشتياق و حركة» [٢]. فهذه النصوص كلها تبين لنا أن معنى الحدس عند القدماء هو إصابة الحد الأوسط إذا وضع المطلوب، أو إصابة الحد الأكبر إذا أصيب الأوسط، و بالجملة سرعة الانتقال من معلوم الى مجهول. و هذا المعنى كما ترى يختلف بعض الشيء عن المعنى الذي تدل عليه كلمة حدس)Intuition( عند الفلاسفة المحدثين، و لكننا نلاحظ أن للحدس عند كل من هؤلاء الفلاسفة معنى خاصا. فهناك حدس عقلي كحدس البداهة، و هناك حدس حسي، و حدس نفسي، و حدس فلسفي كالذي تكلم عليه «برغسون». فاذا كان معنى الحدس مختلفا باختلاف الفلاسفة، فان اختلاف معناه في الفلسفة الحديثة عن معناه في الفلسفة العربية القديمة لا يمنع من إطلاق اللفظ نفسه على المعنيين. و لا حاجة الى البحث عن لفظ آخر كلفظ البداهة الذي اختاره بعضهم للدلالة على هذا المعنى، لأن البداهة إنما تقابل كلمة)evidence( ، لا كلمة حدس. فيكفي إذن في هذه الحالة الاعتماد على اللفظ القديم، مع تبديل معناه، و تحديده تحديدا جديدا.
[١] ابن سينا: النجاة، ص ٢٧٢- ٢٧٤ من طبعة القاهرة.
[٢] ابن سينا: الاشارات، ص ١٥٣- ١٥٦ من الطبعة الخيرية، القاهرة.