الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٤ - مرثية أخرى لها في معاوية
قالت: و رأيت شيخا له ضفيرتان، فسمعته يقول لمعاوية: بأبي أنت أطلت الوقوف! قال: ذاك عبد العزّى زوج الخنساء أخت معاوية.
قال: فنادى هاشم في قومه و خرج، و زعم المريّ [١] أنه لم يخرج إليهم إلا في مثل عدّتهم من بني مرّة. قال:
فلم يشعر السّلميون حتّى طلعوا عليهم، فثاروا إليهم فلقوهم فقال لهم خفاف: لا تنازلوهم رجلا رجلا؛ فإنّ خيلهم تثبت للطّراد و تحمل ثقل السلاح، و خيلكم قد أمّنها الغزو و أصابها الحفا [٢].
/ قال: فاقتتلوا ساعة و انفرد هاشم و دريد ابنا حرملة المريان لمعاوية، فاستطرد له أحدهما فشدّ عليه معاوية و شغله، و اغترّه الآخر فطعنه فقتله. و اختلفوا أيّهما استطرد له و أيهما قتله، و كانت بالذي استطرد له طعنة طعنه إياها معاوية. و يقال: هو هاشم. و قال آخرون: بل دريد أخو هاشم.
شعر خفاف في ذلك:
قال: و شدّ خفاف بن عمير بن الحارث/ بن الشريد [٣] على مالك بن حمّار سيّد بني شمخ بن فزارة فقتله. و قال خفاف في ذلك و هو ابن ندبة، و هي أمة سوداء كانت سباها الحارث، بن الشريد حين أغار على بني الحارث بن كعب [فوهبها لابنه عمير فولدت له خفافا [٤]. و يقال في ندبة إنّها ابنة الشيطان بن بنان، من بني الحارث بن كعب.
فقال]:
أقول له و الرمح يأطر متنه
تأمّل خفافا إنني أنا ذلكا [٥]
وقفت له جلوى و قد خام صحبتي
لأبني مجدا أو لأثأر هالكا [٦]
لدن ذرّ قرن الشّمس حين رأيتهم
سراعا على خيل تؤمّ المسالكا
فلمّا رأيت القوم لا ودّ بينهم
شريجين شتّى طالبا و مواشكا [٧]
/ تيممت كبش القوم حتّى عرفته
و جانبت شبّان الرجال الصعالكا
فجادت له يمنى يديّ بطعنة
كست متنه من أسود اللون حالكا
أنا الفارس الحامي الحقيقة و الذي
به أدرك الأبطال قدما كذلكا
فإن ينج منها هاشم فبطعنة
كسته نجيعا من دم الجوف صائكا
[١] ما عدا ط، ج، ها، مت «و زعم أن المري».
[٢] هذه الكلمة ساقطة من ط، ج. و أمنها إمنانا: أضعفها و أعياها. و هذه رواية ط، ج، مب، و في ها «منها» و معناه كالسابق. و في سائر النسخ «قد أنهكها».
[٣] بعد هذا في ط، ج، ها، مب «و هو ابن ندبة و هي أمة سوداء كان سباها الحارث بن الشريد حين أغار على بني الحارث بن كعب فوهبها لابنه عمير فولدت له خفافا، فشد خفاف». و قد ورد صدر هذه العبارة إلى كلمة «كعب» في سائر النسخ في الموضع التالي، فأثبتها هناك، و جعلت بقيتها تكملة هناك.
[٤] التكملة إلى هنا من بقية العبارة التي وردت متقدمة في ط، ج، ط، ها، مب. و ما بعدها جاء في أصله، و هو ط، ج، ها مباشرا لكلمة «بني الحارث بن كعب».
[٥] يأطره: يعطفه و يثنيه. و فعله من باب نصر و ضرب.
[٦] جلوى: اسم فرسه. هذا ما في ها. و في سائر النسخ «علوى». خام: جبن. ط، ج «نام».
[٧] شريجان: ضربان. المواشك: السريع.
فحقّق خفاف في شعره أنّ الذي طعن معاوية هو هاشم بن حرملة.
رثاء الخنساء لأخيها معاوية:
و قالت الخنساء ترثي أخاها معاوية:
ألا لا أرى في الناس مثل معاوية
إذا طرقت إحدى الليالي بداهيه
بداهية يصغي الكلاب حسيسها
و تخرج من سرّ النجيّ علانيه [١]
ألا لا أرى كفارس الورد فارسا
إذا ما علته جرأة و غلابيه [٢]
و كان لزاز الحرب عند شبوبها
إذا شمّرت عن ساقها و هي ذاكية [٣]
و قوّاد خيل نحو أخرى كأنّها
سعال و عقبان عليها زبانية [٤]
بلينا و ما تبلى تعار و ما ترى
على حدث الأيام إلا كما هيه [٥]
فأقسمت لا ينفكّ دمعي و عولتي
عليك بحزن ما دعا اللّه داعيه
مرثية أخرى لها في معاوية:
و قالت الخنساء في كلمة أخرى ترثيه أيضا:
إلا ما لعينيك أم ما لها
لقد أخضل الدمع سربالها
أبعد ابن عمرو من آل الشري
- د حلّت به الأرض أثقالها
و أقسمت آسى على هالك
و أسأل نائحة ما لها
سأحمل نفسي على آلة
فإمّا عليها و إمّا لها
نهين النفوس و هون النّفو
س يوم الكريهة أبقى لها
و رجراجة فوقها بيضها
عليها المضاعف زفنا لها [٦]
ككرفئة الغيث ذات الصّبي
- ر ترمي السحاب و يرمي لها
و قافية مثل حدّ السّنا
ن تبقى و يهلك من قالها
نطقت ابن عمرو فسهّلتها
و لم ينطق الناس أمثالها
فإن تك مرّة أودت به
فقد كان يكثر تقتالها
[١] يصغيها: يجعلها تميل رأسها و أذنها للتسمع. و في أمثالهم «شر أهر ذا ناب». و للكلاب حس صادق بالعدو، تنذر قومها إذا شعرت به. و الحسيس و الحس: الحركة.
[٢] الورد: فرسه. ما عدا ط، ج، ها «كالفارس الورد». الغلابية: القهر و الغلبة. و في الأصول ما عدا «ها» علانية.
[٣] لزاز الحرب، أي ملازم لها موكل بها.
[٤] سعال: جمع سعلاة، و هي الغول.
[٥] تعار، بالكسر: جبل في بلاد قيس. و أنثها على أنها جبال.
[٦] الرجراجة: الكتيبة تضطرب في سيرها لكثرتها. المضاعف، أي الحديد المضاعف من نسج الدروع و نحوها. زاف يزيف: أسرع.