الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٥ - قدومه على عمر بالمدينة و ما كان من شراهته في الطعام
لها تحريما إلا أنّه قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقلنا: لا. فسكت و سكتنا! فقال له: أنت أكبر سنّا و أقدم إسلاما.
فجاءا فجلسا يتناشدان و يشربان، و يذكران أيام الجاهلية، حتى مسيا، فلما أراد عيينة الانصراف. قال عمرو: لئن انصرف أبو مالك بغير حباء إنّه لوصمة عليّ. فأمر بناقة له أرحبية [١] كأنّها جبيرة لجين [٢]، فارتحلها و حمله عليها، ثم قال: يا غلام هات المزود./ فجاء بمزود فيه أربعة ألاف درهم، فوضعها بين يديه، فقال: أمّا المال فو اللّه لا قبلته. قال: و اللّه إنّه لمن حباء عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. فلم يقبله عيينة و انصرف و هو يقول:
جزيت أبا ثور جزاء كرامة
فنعم الفتى المزدار و المتضيّف
قرينت فأكرمت القرى و أفدتنا
نخيلة علم لم يكن قطّ يعرف [٣]
و قلت: حلال أن تدير مدامة
كلون انعقاق البرق و الليل مسدف
/ و قدّمت فيها حجّة عربية
تردّ إلى الإنصاف من ليس ينصف
و أنت لنا و اللّه ذي العرش قدوة
إذا صدّنا عن شربها المتكلّف
نقول: أبو ثور أحلّ حرامها
و قول أبي ثور أسدّ و أعرف [٤]
قدومه على عمر بالمدينة و ما كان من شراهته في الطعام
و قال علي بن محمد: حدّثني عبد اللّه بن محمد الثقفي عن أبيه، و الهذليّ عن الشّعبي قال:
جاءت زيادة من عند عمر بعد القادسية فقال عمرو بن معد يكرب لطليحة: أما ترى أنّ هذه الزعانف تزاد و لا نزاد، انطلق بنا إلى هذا الرجل حتّى [٥] نكلّمه. فقال: هيهات، كلّا و اللّه لا ألقاه في هذا أبدا [٦]، فلقد لقيني في بعض فجاج مكّة فقال: يا طليحة، أ قتلت عكاشة [٧]؟! فتوعّدني وعيدا ظننت أنّه قاتلي، و لا آمنه./ قال عمرو:
لكنّي ألقاه. قال: أنت و ذاك. فخرج إلى المدينة فقدم على عمر رضي اللّه عنه و هو يغدّي الناس و قد جفّن لعشرة عشرة، فأقعده عمر مع عشرة فأكلوا و نهضوا، و لم يقم عمرو، فأقعد معه تكملة عشرة [فأكلوا و نهضوا و لم يقم عمرو، فأقعده مع عشرة] [٨] حتّى أكل مع ثلاثين ثم قال، فقال: يا أمير المؤمنين إنّه كانت لي مآكل في الجاهلية منعني منها الإسلام، و قد صررت في بطن صرّتين و تركت بينهما هواء فسدّه. قال: عليك حجارة من حجارة الحرّة فسدّه به يا عمرو، إنّه بلغني أنّك تقول إنّ لي سيفا يقال له الصمصامة، و عندي سيف أسمّيه المصمّم، و إني إن وضعته بين أذنيك لم أرفعه حتّى يخالط أضراسك.
[١] أرحبية: نسبة إلى بني أرحب بطن من همدان، أو أرحب موضع أو فحل تنسب إليه تلك العجائب.
[٢] الجبيرة: السوار من الذهب أو الفضة. س «حبيرة» صوابه في سائر النسخ.
[٣] نخيلة هو ما ورد في ها، و في مط «خبيئة علم». و في ط، مب «يحمه» مهملة و في أ «نخيبة» و في سائر النسخ «تحية علم».
و «يكن» و «يعرف» هي بالتاء في س.
[٤] هذا البيت ساقط من ج. ما عدا ط «يقول» لكن في مط «تقول».
[٥] هذه الكلمة من ط، مط، مب.
[٦] ما عدا ط، مط، مب «كلا و اللّه ألقاه في هذا المعنى أبدا» محرف.
[٧] في الأصول ما عدا مط، مب «أقبلت»، تحريف. و في «الإصابة» ٤٢٨٣: «و هرب طليحة إلى الشام ثم أحرم بالحج فرآه عمر فقال: إني لا أحبك بعد قتل الرجلين الصالحين: عكاشة بن محصن و ثابت بن أقرم، و كانا طليقين لخالد، فلقيهما طليحة و سلمة فقتلاهما». و سلمة، هو أخو طليحة بن خويلد الأسدي.
[٨] هذه الكلمة من ط، مط، مب.