الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩٨ - استبقاء يزيد لجثة حبابة بعد موتها، ثم موته و دفنه إلى جنبها
فإذا دخلت عليه فلا تظهرنّ طربا حتى أغنيه الصوت الذي غنّيته. فقال: سوأة على كبر سنّي؟ فدعا به يزيد و هو على طنفسة خزّ، و وضع لمعاوية مثلها، فجاءوا بجامين فيهما مسك فوضعت إحداهما بين يدي يزيد و الأخرى بين يدي معاوية، فقال: فلم أدر كيف أصنع. فقلت: انظر كيف يصنع فاصنع مثله. فكان يقلّبه فيفوح ريحه و أفعل/ مثل ذلك، فدعا بحبابة فغنّت، فلما غنّت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه و قام يدور و ينادي:
«الدّخن بالنوى» يعني اللّوبيا. قال: فأمر له بصلات عدّة دفعات إلى أن خرج، فكان مبلغها ثمانية آلاف دينار.
اختبار يزيد لطرب مولى حبابة:
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: أخبرني الزبير بن أبي بكر، عن ظبية:
أنّ حبابة غنّت يوما بين يدي يزيد فطرب ثم قال لها: هل رأيت قطّ أطرب مني؟ قالت: نعم، مولاي الذي باعني. فغاظه ذلك فكتب في حمله مقيّدا، فلما عرف خبره أمر بإدخاله إليه، فأدخل يرسف في قيده، و أمرها فغنّت بغتة:
تشطّ غدا دار جيراننا
و للدّار بعد غد أبعد
فوثب حتّى ألقى نفسه على الشمعة فأحرق لحيته، و جعل يصيح: الحريق يا أولاد الزنا! فضحك يزيد و قال:
لعمري إنّ هذا لأطرب الناس! فأمر بحلّ قيوده، و وصله بألف دينار، و وصلته حبابة، و ردّه إلى المدينة.
يزيد و أم عوف المغنية:
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال إسحاق:
كان يزيد بن عبد الملك قبل أن تفضي إليه الخلافة، تختلف إليه مغنيّة طاعنة في السّن تدعى أمّ عوف، و كانت محسنة، فكان يختار عليها:
متى أجر خائفا تسرح مطيته
و إن أخف آمنا تنبو به الدار [١]
سيروا إليّ و أرخوا من أعنّتكم
إنّي لكلّ امرئ من وتره جار
/ فذكرها يزيد يوما لحبابة، و قد كانت أخذت عنها فلم تقدر أن تطعن عليها إلا بالسنّ، فغنت:
أبى القلب إلّا أمّ عوف و حبّها
عجوزا و من يحبب عجوزا يفنّد [٢]
/ فضحك و قال: لمن هذا الغناء؟ فقالت: لمالك. فكان إذا جلس معها للشّرب يقول: غنّيني صوت مالك في أمّ عوف.
استبقاء يزيد لجثة حبابة بعد موتها، ثم موته و دفنه إلى جنبها:
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثني عمر بن شبّة قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن الحارث
[١] ما عدا ط، ها، مط «تغلق به الدار».
[٢] البيت لأبي الأسود الدؤلي في «الحماسة» (٢: ١٣٨). و قد غيرت رواية البيت لتستقيم لها الفكاهة و يتم العبث بأم عوف. و الرواية:
«أم عمرو». و بعده:
كثوب اليماني قد تقادم عهده
و رقعته ما شئت في العين و اليد