الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠١ - غضب أبي بكر لمقتل مالك
قدم خالد بن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحدا، و وجد مالك بن نويرة قد فرّقهم [١] في أموالهم و نهاهم عن الاجتماع، فبعث السرايا و أمرهم بداعية الإسلام [٢]، فمن أجاب/ فسالموه و من لم يجب و امتنع فاقتلوه. و كان فيما أوصاهم أبو بكر: إذا نزلتم [منزلا] [٣] فأذّنوا و أقيموا، فإن أذّن القوم و أقاموا فكفّوا عنهم، و إن لم يفعلوا فلا شيء إلّا الغارة. ثم اقتلوهم كلّ قتلة: الحرق فما سواه. فإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم [٤]، فإن هم أقرّوا بالزكاة قبلتم منهم، و إلّا فلا شيء إلا الغارة و لا كلمة. فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع، و من بني عاصم [٥]، و عبيد، [و عرين] [٣]، و جعفر، و اختلف السرية فيهم، و فيهم أبو قتادة. و كان ممن شهد أنّهم قد أذّنوا و أقاموا و صلّوا. فلما اختلفوا فيهم أمر بحسبهم، في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، و جعلت تزداد بردا، فأمر خالد مناديا فنادى: «دافئوا أسراكم». و كان في لغة كنانة إذا قالوا: «دافأنا الرجل و أدفئوه، فذلك معنى اقتلوه من الدفء. فظنّ القوم أنّه يريد القتل فقتلوهم [٦]. فقتل ضرار بن الأزور مالكا، فسمع خالد الواعية [٧]، فخرج و قد فرغوا منهم فقال: إذا أراد اللّه أمرا أصابه. و قد اختلف القوم فيهم فقال أبو قتادة: هذا عملك.
غضب أبي بكر لمقتل مالك
فزبره خالد [فغضب] [٨] و مضى حتّى أتى أبا بكر، فغضب عليه أبو بكر حتّى كلّمه عمر بن الخطاب فيه، فلم يرض إلا بأن يرجع إليه، فرجع إليه فلم يزل معه حتّى قدم المدينة، و قد كان تزوّج خالد أم تميم بنت المنهال [٩] و تركها لينقضي طهرها، و كانت العرب تكره النساء في الحرب و تعايره،/ فقال عمر لأبي بكر: إنّ في سيف خالد رهقا، و حقّ عليه أن تقيده [١٠]. و أكثر عليه في ذلك. و كان أبو بكر لا يقيد من عمّاله و لا من وزعته [١١]، فقال: هبه يا عمر تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد. و ودى مالكا، و كتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل و أخبره خبره فعذره. و قبل منه، و عنّفه بالتزويج الذي كانت العرب تعيب عليه من ذلك.
فذكر سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال: شهد قوم من السرية أنّهم أذّنوا و أقاموا و صلّوا، و شهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء فقتلوا. و قدم أخوه متمم ينشد أبا/ بكر دمه و يطلب إليه في سبيهم، فكتب له بردّ السّبي، و ألحّ عليه عمر في خالد أن يعزله و قال: إن في سيفه لرهقا! فقال له: لا يا عمر، لم أكن لأشيم سيفا سلّه اللّه على الكافرين.
[١] كذا في ها. و في سائر الأصول «ملك قد فرقهم». محرّف. و في الطبري «مالكا قد فرقهم».
[٢] في معظم الأصول «برعاية الإسلام» و وجهه من الطبري وها.
[٣] هذه التكملة من الطبري.
[٤] س «فسالموهم» و في سائر النسخ «فسلوهم». و أثبت الصواب من ها و الطبري.
[٥] الطبري «من بني عاصم» بدون واو قبلها.
[٦] هذا نهاية سقط مب الذي بدأ في ص ٢٨٠.
[٧] الواعية: الجلبة، و الصراخ على الميت و نعيه. ح «الراعية». و في سائر النسخ ما عدا ها و مب «الداعية» صوابها من النسختين و الطبري.
[٨] هذه التكملة من الطبري.
[٩] في الأصول «المهلب»، صوابه في الطبري، و «الإصابة». ٧٦٩ في ترجمة مالك بن نويرة. و المنهال هذا هو المنهال بن عصمة الرياحي، و هو الذي كفن مالكا في ثوبيه.
[١٠] الطبري «فإن لم يكن هذا حقا حق عليه أن تقيده».
[١١] الوزعة: أصحاب السلطان. في جمهور الأصول «من درعيه» و الصواب من ها و مب و الطبري.