الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٦٤ - نسبته إلى الحزين بن الحارث
قال عيسى بن قدامة الأسديّ، و كان قدم قاسان [١]، و كان له نديمان فماتا، و كان يجيء فيجلس عند القبرين، و هما براوند [٢]، في موضع يقال له خزاق، فيشرب و يصبّ على القبرين حتّى يقضي و طره، ثم ينصرف و ينشد و هو يشرب:
خليليّ هبّا طالما قد رقدتما
أجدّكما لا تقضيان كراكما
/ أ لم تعلما مالي براوند هذه
و لا بخزاق من نديم سواكما
مقيم على قبريكما لست بارحا
طوال الليالي أو يجيب صداكما
جرى الموت مجرى اللحم و العظم منكما
كأنّ الذي يسقي العقار سقاكما
/ تحمّل من يهوى القفول و غادروا
أخا لكما أشجاه ما قد شجاكما [٣]
فأيّ أخ يجفو أخا بعد موته
فلست الذي من بعد موت جفاكما
أصبّ على قبريكما من مدامة
فإلّا تذوقا أرو منها ثراكما [٤]
أناديكما كيما تجيبا و تنطقا
و ليس مجابا صوته من دعاكما
أ من طول نوم لا تجيبان داعيا
خليليّ ما هذا الذي قد دهاكما
قضيت بأنّي لا محالة هالك
و أنّي سيعروني الذي قد عراكما
سأبكيكما طول الحياة و ما الذي
يردّ على ذي عولة إن بكاكما
نسبته إلى رجل من أهل الكوفة
و أخبرني ابن عمّار أبو العباس أحمد بن عبيد اللّه بخبر هؤلاء، عن أحمد بن يحيى البلاذري قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالح بن مسلم العجليّ قال:
بلغني أنّ ثلاثة نفر من أهل الكوفة كانوا في الجيش الذي وجّهه الحجاج إلى الدّيلم، و كانوا يتنادمون لا يخالطون غيرهم، فإنّهم لعلى ذلك إذ مات أحدهم فدفنه صاحباه، و كانا يشربان عند قبره، فإذا بلغه الكأس هراقاها على قبره و بكيا. ثم إنّ الثاني مات فدفنه الباقي إلى جنب صاحبه، و كان يجلس عند قبريهما فيشرب و يصبّ الكأس على الذي يليه ثم على الآخر و يبكي، و قال فيهما:
نديمي هبّا طالما قد رقدتما
و ذكر بعض الأبيات التي تقدم ذكرها. و قال مكان «براوند هذه»: «بقزوين»، و سائر الخبر نحو ما ذكرناه. قال ابن عمار: فقبورهم هناك تعرف بقبور الندماء.
نسبته إلى الحزين بن الحارث
و ذكر العتبي عن أبيه أن الشّعر للحزين بن الحارث، أحد بني عامر بن صعصعة، و كان أحد نديميه من بني
[١] قاسان، و أهلها يقولون كاسان: مدينة كانت بما وراء النهر في حدود بلاد الترك، ياقوت.
[٢] راوند، بفتح الواو: بليدة قرب قاسان و أصبهان.
[٣] القفول: العودة. س «العقول»، محرف.
[٤] ط «صداكما»، و كتب فوقها «ثراكما».