الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٥ - احتيال أحمد الأحوال لتولية طاهر خراسان
عليا [١] فقال له علي: إنّما تكلّمت بلسان غيرك، و لو كنت في غير هذا المجلس لسمعت أكثر مما قلت! فغضب المأمون و أنكر على محمد ما قاله و ما كان منه من سوء الأدب بحضرته، و نهض عن فرشه و نهض الجلساء فخرجوا، و أراد محمد الانصراف فمنعه علي بن صالح صاحب المصلّى، و هو إذ ذاك يحجب المأمون، و قال: أفعلت ما فعلت بحضرة أمير المؤمنين و نهض على الحال [٢] التي رأيت، ثم تنصرف بغير إذن، اجلس حتى نعرف رأيه فيك. و أمر بأن يجلس.
غضب المأمون على محمد الصولي
قال: و مكث المأمون ساعة فجلس على سريره، و أمر بالجلساء فردّوا إليه، فدخل إليه عليّ بن صالح فعرّفه ما كان من قول علي بن محمد في الانصراف، و ما كان من منعه إياه، فقال: دعه ينصرف إلى لعنة اللّه. فانصرف، و قال المأمون لجلسائه: أ تدرون لم دخلت إلى النساء في هذا الوقت؟ قالوا: لا. قال: إنّه لمّا كان من أمر هذا الجاهل ما كان لم آمن فلتات الغضب، و له بنا حرمة، فدخلت إلى النساء فعابثتهنّ [٣] حتّى سكن غضبي.
احتيال أحمد الأحوال لتولية طاهر خراسان
قال: و ما مضى محمد عن وجهه إلّا إلى طاهر، فسأله الركوب إلى المأمون، و أن يستوهبه جرمه، فقال طاهر: ليس هذا من أوقاتي، و قد كتب إليّ خليفتي/ في الدار أنّه قد دعا بالجلساء. فقال: أكره أن أبيت ليلة و أمير المؤمنين عليّ ساخط. فلم يزل به حتّى ركب طاهر معه، فأذن له فدخل و مجير الخادم واقف على رأس المأمون، فلما بصر المأمون بطاهر أخذ منديلا فمسح به عينيه مرّتين أو ثلاثا، إلى أن وصل إليه و حرّك شفتيه بشيء أنكره طاهر، ثم دنا فسلّم، فردّ السلام و أمره بالجلوس [٤] فجلس في موضعه، فسأله عن مجيئه في غير وقته، فعرّفه الخبر و استوهبه ذنب محمد، فوهبه له و انصرف؛ و عرّف محمدا ذلك. ثم دعا بهارون بن خنعويه، و كان شيخا خراسانيّا/ داهية ثقة عنده، فذكر له فعل المأمون و قال له: الق كاتب مجير و الطف له، و اضمن له عشرة آلاف درهم على تعريفك ما قاله المأمون ففعل ذلك و لطف له، فعرّفه أنّه لما رأى طاهرا دمعت عيناه و ترحّم على محمد الأمين، و مسح دمعه بالمنديل، فلما عرف ذلك طاهر ركب من وقته إلى أحمد بن أبي خالد الأحوال- و كان طاهر لا يركب إلى أحد من أصحاب المأمون، و كلّهم يركب إليه- فقال له: جئتك لتولّيني خراسان و تحتال لي فيها. و كان أحمد يتولّى فضّ الخرائط بين يدي المأمون، و غسّان بن عبّاد يتولّى إذ ذاك خراسان، فقال له أحمد: هلّا أقمت بمنزلك و بعثت إليّ حتى أصير إليك و لا يشهر الخبر فيما تريده بما ليس من عادتك، لأنّ المأمون يعلم أنّك لا تركب إلى أحد من أصحابه، و سيبلغه هذا فينكره، فانصرف و أغض [٥] عن هذا الأمر و أمهلني مدّة حتّى أحتال لك. و لبث مدّة، و زوّر ابن أبي خالد كتابا عن غسّان بن عباد إلى المأمون، يذكر فيه أنّه عليل و أنه لا يأمن على نفسه، و يسأل أن يستخلف غيره على خراسان، و جعله في خريطة و فضّها بين يدي المأمون،/ في خرائط وردت عليه، فلما قرأ
[١] ثبط، كذا وردت في «الأصول». و لعل معناها شبهه بالنبط و نسبه إليهم.
[٢] إلى هنا ينتهي سقط أ الذي نبهت على مبدئه في ص ٢٢٨.
[٣] كذا في ط. و في ح «فعاتبهن» و أ، ها، مط، مب «فعاتبتهن» و سائر النسخ «فعانقتهن» و الأخيرة صحيحة كالأولى.
[٤] بعده سقط في ط ينتهي إلى «فغناه و احتفل فقال» في ص ٢٣٦.
[٥] س، ب «و غض».