الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٦ - احتيال أحمد الأحوال لتولية طاهر خراسان
على المأمون الكتاب اغتمّ به و قال له: ما ترى؟ فقال: لعل هذه علّة عارضة تزول، و سيرد بعد هذا غيره فيرى حينئذ أمير المؤمنين رأيه. ثم أمسك أياما و كتب كتابا آخر و دسّه في الخرائط، يذكر فيه أنه تناهى في العلّة إلى ما لا يرجو معه نفسه، فلما قرأه المأمون قلق و قال: يا أحمد، إنه لا مدفع لأمر خراسان فما ترى؟ فقال: هذا رأي إن أشرت فيه بما أرى فلم أصب لم أستقبله، و أمير المؤمنين أعلم بخدمه و من يصلح بخراسان منهم. قال: فجعل المأمون يسمّي رجالا و يطعن أحمد على واحد واحد منهم، إلى أن قال: فما ترى في الأعور؟ قال: إن كان عند أحد قيام بهذا الأمر و نهوض فيه فعنده. فدعا به المأمون فعقد له على خراسان، و أمره أن يعسكر، فعسكر بباب خراسان. ثم تعقّب الرأي فعلم أنّه قد أخطأ، فتوقّف عن إمضائه و خشي أن يوحش طاهرا بنقضه، فمضى شهر تامّ و طاهر مقيم بمعسكره. ثم إنّ المأمون في السّحر من ليلة أحد و ثلاثين يوما من عقده له، عقد اللواء لطاهر ظاهرا، و أمر بإحضار مخارق المغنّي، فأحضر و قد صلّى المأمون الغداة مع طلوع الفجر، فقال: يا مخارق، أ تغني:
إذا لم تستطع شيئا فدعه
و جاوزه إلى ما تستطيع
و كيف تريد أن تدعى حكيما
و أنت لكلّ ما تهوى تبوع
قال: نعم. قال: هاته. فغناه فقال: ما صنعت شيئا، فهل تعرف من يقوله أحسن مما تقوله؟ قال: نعم، علويه الأعسر. فأمر بإحضاره فكأنّه كان وراء السّتر، فأمره أن يغنّيه، فغنّاه و احتفل فقال [١]: ما صنعت شيئا أ تعرف من يقوله أحسن مما تقوله؟ قال: نعم عمرو بن بانة شيخنا. فأمر بإحضاره فدخل في مقدار/ دخول علويه، فأمر بأن يغنيه الصوت، فغناه [فأحسن] [٢] فقال: أحسنت ما شئت [٣]، هكذا ينبغي أن يقال ... ثم قال: يا غلام اسقني رطلا واسق صاحبيه رطلا رطلا. ثم دعا له بعشرة آلاف درهم، و خلعة ثلاثة أثواب، ثم أمره بإعادته، فأعاده فردّ القول الذي قاله، و أمر له بمثل ما أمر، حتّى فعل ذلك عشرا، و حصل لعمرو مائة ألف درهم و ثلاثون/ ثوبا، و دخل المؤذّنون فأذّنوه بالظهر، فعقد [٤] إصبعه الوسطى بإبهامه و قال: «برق يمان، برق يمان». و كذلك كان يفعل إذا أراد أن ينصرف من بحضرته من الجلساء. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، قد أنعمت عليّ و أحسنت إليّ، فإن رأيت أن تأذن لي في مقاسمة أخويّ [٥] ما وصل إليّ فقد حضراه؟ فقال: ما أحسن ما استمحت لهما، بل نعطيهما نحن و لا نلحقهما بك. و أمر لكلّ واحد بمثل [نصف] [٦] جائزة عمرو، و بكر إلى طاهر فرحّله، فلما ثنى عنان دابته منصرفا دنا منه حميد الطوسيّ فقال: اطرح على ذنبه ترابا. فقال: اخسأ يا كلب! و نفذ [٧] طاهر لوجهه، و قدم غسّان بن عبّاد فسأله عن علّته و سببها، فحلف له أنّه لم يكن عليلا، و لا كتب بشيء في هذا. فعلم المأمون أنّ طاهرا احتال عليه بابن أبي خالد، و أمسك على ذلك. فلما كان بعد مدّة من مقدم طاهر إلى خراسان قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة، فقال له عون بن مجاشع بن مسعدة صاحب البريد: لم تدع في هذه الجمعة
[١] إلى هنا ينتهي سقط ط الذي بدأ في ص ٢٣٥.
[٢] هذه من ط فقط.
[٣] كذا في ط، ح، أ، ها، مط، مب و في سائر النسخ «ما غنيت».
[٤] ط، ها، مط، مب «فنقد».
[٥] ما عدا ط، ها، مط «إخوتي» تحريف.
[٦] هذه من ط، ها، مب. و في مط «لكل واحد بنصف».
[٧] هذا الصواب في ط، ها، مط، مب. و في سائر النسخ «و بعد».