الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٧ - رجع إلى حديث ابن إسحاق
و ذلك الذي أراد أبو سفيان. فلما التقى الناس و دنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النّسوة اللواتي معها، و أخذن الدّفوف يضربن خلف الرجال، و يحرضنهم، فقالت هند فيما تقول:
إن تقبلوا نعانق
و نفرش النمارق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
و تقول:
إيها بني عبد الدار
إيها حماة الأدبار [١]
ضربا بكلّ بتّار
و اقتل الناس حتّى حميت الحرب، و قاتل أبو دجانة حتّى أمعن في الناس، و حمزة بن عبد المطلب و علي بن أبي طالب عليهما السلام في رجال من المسلمين، فأنزل اللّه نصره، و صدقهم وعده، فحسّوهم بالسّيف [٢] حتى كشفوهم، و كانت الهزيمة.
/ و عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه عن جده قال قال الزبير: و اللّه لقد رأيتني أنظر إلى هند بنت عتبة و صواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخذهنّ قليل و لا كثير، إذ مالت الرّماة إلى الكرّ حتّى كشفنا القوم عنه يريدون النهب، و خلّوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا و صرخ صارخ: ألا إنّ محمدا قد قتل.
فانكفأنا و انكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتّى ما يدنو إليه أحد من القوم.
و عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم أنّ اللواء لم يزل صريعا حتّى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثيّة، فرفعته لقريش فلاذوا بها، و كان اللواء مع صواب غلام لبني أبي طلحة حبشيّ، فكان آخر من أخذه منهم، فقاتل حتّى قطعت يداه، فبرك عليه و أخذ اللواء بصدره و عنقه حتّى قتل/ عليه و هو يقول: اللّهم قد أعذرت! فقال حسّان بن ثابت في قطع يد صواب حين تقاذفوا بالشعر:
فخرتم باللواء و شرّ فخر
لواء حين ردّ إلى صواب
جعلتم فخركم فيها لعبد
من الأم من وطي عفر التراب
ظننتم و السّفيه له ظنون
و ما إن ذاك من أمر الصّواب
بأنّ جلادنا يوم التقينا
بمكة بيعكم حمر العياب [٣]
أقرّ العين إن عصبت يداه
و ما أن يعصبان على خضاب
قال محمد بن جرير: و حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا عثمان بن سعيد قال حدّثنا حبّان بن عليّ [٤] عن محمد بن عبيد اللّه بن أبي رافع، عن أبيه عن جده قال:
[١] في «السيرة» ٥٦٢ جوتنجن «ويها» في هذا الوضع و سابقه.
[٢] حسوهم: استأصلوهم قتلا. و في الكتاب «إذ تحسونهم بإذنه».
[٣] أي ظننتموه من الهون بمنزلة بيع العياب، و العياب: جمع عيبة، و هي زبيل من أدم، أو ما يجعل فيه الثياب.
[٤] ذكره في «تهذيب التهذيب»، فيمن يقال له «حبّان» بالكسر. ط، مط، مب فقط «حيان»، تحريف.